بلا ميعاد
عوض أحمد عمر
- مع تجاوز بطولة الدوري الممتاز أكثر من نصف الطريق، بات من الصعب الحديث عن المنافسة بمعزل عن الأزمات التي تحاصرها من كل جانب.
- فالمنافسة التي يُفترض أنها أم البطولات في السودان ما تزال عاجزة عن تقديم نفسها كمسابقة تليق باسمها أو تعكس مكانة كرة القدم السودانية.
- وبين ملاعب غير مؤهلة، واتحاد غائب، ولجان مثيرة للجدل تحركها عصبية الانتماء، وأندية تكتفي بدور المتفرج، وأحياناً المحرّض، يظل السؤال قائماً: ماذا بقي من “الممتاز” سوى الاسم؟
- ولعل اللافت في المشهد تصاعد حالة من التذمر وسط جماهير الهلال بسبب ما تعتبره استهدافاً لفريقها عبر اللعب العنيف المتعمد من جانب بعض الفرق، لتبرز مقارنات بين العنف الذي تواجه به الفرق الهلال، وبين ما يراه البعض من أداء أكثر تساهلاً وحميمية أمام المريخ.
- ولعل من المقبول والمطلوب، بل ومن حق الجماهير، أن تطالب بعدالة المنافسة وتكافؤ الفرص، لأن الالتزام بالنزاهة لا يسقط عن أحد، وإنما هو أساس أي بطولة قوامها فرق محترمة يديرها ويشرف عليها اتحاد مسؤول.
- لكن بعيداً عن ردود الأفعال الجماهيرية، هناك حقيقة أخرى تستحق التوقف عندها.
- فالهلال، رغم كل ما يتعرض له من عنف مقصود ومواجهات صعبة واستهداف لبعض لاعبيه، قد يكون المستفيد الأول من هذه الظروف.
- نعم، قد يخسر الفريق لاعباً هنا أو يتأثر بإصابة هناك، كما هو حادث الآن، لكن المكاسب الفنية على المدى البعيد أكبر بكثير من الخسائر الآنية.
- فاللعب القوي يرفع معدلات التركيز والانضباط، ويزيد من جاهزية اللاعبين بدنياً ونفسياً، ويجبرهم على خوض المباريات بعقلية تنافسية حقيقية.
- كما أنه يكشف مبكراً مواطن الضعف التي قد لا تظهر في المباريات السهلة والموجهة.
- واللاعب الذي يعتاد على اللعب القوي والضغط المستمر داخل المنافسة المحلية يكون أكثر استعداداً لمواجهة التحديات القارية والإقليمية.
- كما أن المدرب يستفيد من هذه المباريات في تقييم عناصره تحت الضغط الحقيقي، وليس في أجواء مريحة لا تعكس واقع كرة القدم الحديثة.
- أما التساهل واللعب “الموجّه” والمجاملات غير المعلنة، فإنها تصنع فرقاً هشة تعيش على أوهام التفوق المحلي، قبل أن تنهار عند أول اختبار جاد خارج الحدود، والشواهد كثيرة.
- فالمباريات التي تخلو من الندية لا تطور لاعباً ولا تبني فريقاً، بل تمنح الجميع فرحاً كاذباً وشعوراً زائفاً بالرضا.
- غير أن الأزمة الحقيقية للدوري لا تتوقف عند حدود العنف المتعمد أو عدالة المنافسة، فبعد أكثر من نصف موسم ما تزال سلبيات التنظيم والإدارة تتوالد يوماً بعد يوم.
- ويكفي النظر إلى ملف استاد الخرطوم الذي تحول إلى قصة طويلة من الوعود المؤجلة.
- حتى بدا وكأن الهدف الوحيد هو تجهيز الملعب لاستضافة مباراة القمة فقط.
- أما الاتحاد، فقد نجح في تكريس صورة المؤسسة الغائبة أكثر من المؤسسة القائدة؛ غياب للمسؤولية، وأزمات متكررة، ولجان لا تكاد تغادر دائرة التنازع.
- وفي المقابل، تواصل بعض الأندية أداء دور الكومبارس في بطولة يُفترض أنها بطولة نخبة، دون هدف حقيقي أو طموح يتجاوز حدود المشاركة الشكلية.
- والأسوأ من ذلك أن بعض هذه الأندية لا تبدو معنية بتطوير نفسها بقدر اهتمامها بإرضاء هذا الطرف أو ذاك، وهو واقع يضر بالمنافسة أكثر مما يخدمها.
- إن نخبة أو امتياز الدوري السوداني، وتطور الكرة السودانية، لن يتحققا بالشعارات، ولن يصنعهما الهلال والمريخ وحدهما مهما بلغت شعبيتهما، ومهما تعددت خياراتهما في اللعب التنافسي محلياً أو المشاركة في دوريات خارجية.
▪️ آخر الكلم ▪️
- المطلوب أندية تمتلك شخصية مستقلة، لا أسماء للإيجار، وفرقاً يدفعها الطموح المشروع للمنافسة، لا أندية مثل اليتيم الذي يتسول الموائد، أو تعيش في ظل الكبار بفعل أصحاب المال أو النفوذ أو ازدواجية الانتماء.
- لقد اختفت من المشهد أندية كانت يوماً تملأ الساحة حضوراً، ثم تلاشت ولم تترك وراءها سوى بعض الذكريات. والتاريخ يؤكد أن التبعية لا تصنع مجداً ولا تعزز اسماً، وأن الأندية التي تفقد شخصيتها تحكم على نفسها بالخروج من المشهد عاجلاً أم آجلاً، وتطاردها لعنة الجماهير اليوم وغداً.













