الإعلامي والأكاديمي يتحدث لـ آكشن سبورت بعيداً عن أضواء الشاشة والميكروفون
الأصدقاء هم الكنز الحقيقي الذي أحرص عليه في هذه الحياة
الشعيرات البيضاء تنبت في قلبي عندما تتعب السوداء
خريطة الوطن هي التي تحدد إن كانت الوعود رخيصة أم غالية
مماليك هذا العصر هم الذين يسيرون في الطرقات بلا هدى
المرأة تصدّق أنها جميلة حتى لو أخبرها بذلك رجل لا يرى
الأغبياء مثل ملح البحر.. لا نلجأ إليهم إلا عند الحاجة
حوار: أحمد نصر – آكشن سبورت
في فترة وجيزة من دخوله عالم الإذاعة، نجح بروفيسور عوض إبراهيم عوض في لفت الأنظار إليه، ليس بصوته المميز فحسب، بل أيضاً بثقافته الواسعة والمتنوعة التي انعكست بوضوح على البرامج التي قدمها والحوارات التي أدارها عبر الأثير أو أمام كاميرات التلفزيون. وتميز بأسلوبه الخاص في الطرح، وقدرته على المزج بين المعرفة واللغة والإعلام، مما جعله واحداً من الأسماء التي تركت بصمتها في الساحة الإعلامية.
ولم تتوقف مسيرته عند حدود الإعلام، إذ عمل محاضراً جامعياً في ماليزيا، قبل أن يواصل مشواره الأكاديمي محاضراً في إحدى الجامعات بالمملكة العربية السعودية، جامعاً بين الخبرة الإعلامية والعطاء الأكاديمي.
وفي هذا الحوار الخاص، تلتقي «آكشن سبورت» بروفيسور عوض إبراهيم عوض بعيداً عن الميكروفون وكاميرا التلفزيون، لتقترب من الإنسان خلف الإعلامي، وتستكشف رؤاه وأفكاره وتجربته الحياتية في حديث مختلف يحمل الكثير من التأملات والرسائل.
● قلت له: ما هي أهم قضاياك الخاصة؟
◄ بناء الذات التي أرسم لها في مخيلتي جمالاً كجمال الحقول، وعطاءً كعطاء الفصول، وثباتاً كثبات الطلول، وهيبةً كهيبة الخيول. وأتمنى أن تسعفني طاقة الجسد في بناء طاقة هذه النفس الطماحة.
● وقضاياك العامة؟
◄ أن يكون هذا الوطن في شموخ جبال الألب وقامة الهملايا. وأن يتعلم أبناؤه الصبر على المكاره لأنهم بدون ذلك سيذهبون أدراج الرياح.
● الآخرون إلى أي حد أهميتهم عندك؟
◄ أهمية أي إنسان تنبع مما رسمه لذاته في السلوك مع الآخرين. ومهما امتدت مساحات العلاقة وتشعبت أصناف الإخاء في حياة كل إنسان فإنه يجد َنفسه منساقاً إلى الذي ترقص له لأحاسيس اشتياقاً كلما غاب عن العيون. وهناك من هم أهم من نفسي التي في داخلي، وفي نفس الوقت يبقى البعض عاجزاً عن أن يجد لذاته مكاناً في شغاف الروح ولذلك يبقى في هامش الذاكرة أو إن شئت خارج إطار الوجدان.
● كل الناس يعلموننا كيف نعمل ولا يعلموننا كيف نحب العمل، فماذا تقول؟
◄ ذلك ببساطة لأنهم لم يدركوا قيمة ما يفعلون. وبعضهم قد يعلمنا كيف نغتال الزمن ثم نبكي على أطلال الحقيقة بعد فوات الأوان. لذا لا بد من إيجاد عصا سحرية نقرع بها على رأس كل معلم ماهر حتى يغرس في نفوس معلمينا أهمية أن يعلمونا حب العمل.
● الأنثى هل هي ملهمة عاطفة أم شريك وعقل؟
◄ وهل هناك فرق حقيقي بين العاطفة والعقل؟ أحسب أن الذي بينهما من الفوارق لا يعدو أن يكون أرفع من خيوط العنكبوت، ولذا كلما التهبت العاطفة في دواخلنا بالشكل الحقيقي كلما ازداد تفتق العقل لإيقاد جذوة الشراكة الحقيقية النابعة من عمق الوجدان حتى تستنير بشعاع العقل الوقاد وتشعل من لقاح هذا وذاك قنديلاً إسمه الأنثى.
● ما هي الحقيقة الباهرة التي سطعت في نفسك؟
◄ هي حقيقة هذا الوجود الخلاب الذي ندور في أفلاكه ولا ندري إلى متى يمضي المسير. ولأن النفس ظلت على مدى الأعوام شغوفة بالبحث عن الذات فقد غلب عليها الانبهار والتشتت اللا إرادي كلما كادت أن تصل إلى كنه الحقيقة. ولذلك لم تزل نفسي تواقة إلى إدراك حقيقة هذا الوجود الباهر.
● مبدؤك الذي يصوغ حماسك وأفعالك وقناعاتك، ما هو؟
◄ مبدئي الذي لا يتزعزع هو أن هذا الكون لم يُخلق عبثاً، وإنما خُلق لنسير فيه بخطىً كُتبت علينا، حتى نصل إلى الحقيقة التي غيّبتها المشيئة عنا، ليستبين المعدن النفيس من ركام الأشياء التي تحيط بنا.
● ما هو الخطأ الذي لا يغتفر في نظرك؟
◄ هو أن لا ندرك أننا أخطأنا. والأسوأ منه أن نتمادى في صنع ما لا يغتفر رغم إدراكنا لحقيقة الوهن الذي في ذواتنا. وقديماً قال الشاعر الحكيم ( ولا أرى في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام)
● هل تزور المرأة عمرها تشبثاً بالشباب أم بالرجل؟
◄ وهل للمرأة إحساس بالشباب بعيداً عن إحساس الرجل؟! إذن سيان عند المرأة هاتان الغايتان حيث إنها أدركت منذ الأزل أنها إن أرادت أن تبقي على روح الشباب فلا مدخل إلى ذاك بدون بوابة الرجل وإن أرادت الغوص في أعماق أي واحد من الرجال فلا مدخل إليه بدون بوابة الشباب المستديم.
● هل صحيح أن الوعود هي أرخص هدية تقدم في الأزمات؟
◄ هذا يعتمد على شكل الوعود، فإن كنت تعني وعود العشق الأصيل لمن نهوى فهي أغلى ما يكون عندما تتفاقم الأزمات وتحيط بمن نحسبه في عداد العاشقين، أما إذا كانت وعود الساسة للآخرين كالناخبين ومن دار في فلكهم فهي تختلف حسب نواميس الزمن. حيث إن خارطة الوطن هي التي تحدد كم هي رخيصة أو غالية وعود الطامعين في الصعود إلى الذرى ولو على رقاب العباد. ولذلك كانت الكراسي هي السبب الحقيقي في كل أزماتنا.
● ما رأيك في الذين يمارسون لعبة الكلمات المتقاطعة في مواجهة المسائل التي لا تقبل الجدل؟
◄ هم أقرب إلى الذين يحاولون إطفاء النار ببرميل من الكيروسين، فليتهم أدركوا أن النيران لا تكافحها إلا المياه.
● في طفولتك هل كنت شقياً؟
◄ تقارير المدرسة تقول إنني كنت في غاية الهدوء والعذوبة والبساطة وتقارير البيت تقول إنني كنت في غاية الشقاوة والعناد والغلظة ولست أدري أيهما يصلح أن يكون إجابة على سؤالك هذا الجميل؟
● في دراستك هل كنت ذكياً؟
◄ ذكاء الدراسة لست أدري ماذا أقول عنه، لكن كل الذي أذكره جيداً أنني كنت دوماً أتفادى سياط أستاذ الحساب الذي ظل شغوفاً أن يحاسب المخطئين في مسائل الحساب كما لو كانوا في يوم الحساب. لذلك كنت حريصاً ألا يتسلخ جلدي الرقيق آنذاك بسياط العنج، ولذا كان لزاما على مثلي التسربل بأهداب الذكاء حفاظاً على الذات الفانية.
● لون عينيك هل تجده بلون نفسك؟
◄ دعني أحاول أن أغوص في أعماق نفسي وأحلل ألوان عيوني حتى أجد الإجابة التي تسعفني في هذا المقام.
● مصدر خوفك ما هو؟ ومصدر نفورك ؟
◄ مصدر خوفي ونفوري على السواء هو الأشرار الذين قال عنهم أحد أصدقائي ذات يوم (الما بخاف الله خافو) ولذلك كثيرا ما تجدني أهرب من ملاقاة العيون التي في ضباب الليل تمشي خشية أن يفاجئها الصباح.
● ما الذي يشعرك بالاضطهاد؟
◄ إنسان جاهل لا يدري أنه جاهل، وليس هذا هو المهم بل الأهم أنه ينثر ما بداخله من أشواك على رمل الطريق ولا يكتفي بأن الذي في نفسه قد فاض سلفاً على قسمات وجهه المخيف.
قلت له في هذا العصر القبلي، هل أنت عصبي أم سياسي؟
◄ آه، لو كان بإمكاني لأعدت الذين حولي إلى سنواتٍ لم يكن أحدٌ منا يدري قبيلته، ليس جهلاً بها، ولكن امتثالاً لحديث المصطفى ﷺ: (دعوها فإنها مُنتنة). وأنا حزين لمن أشعلوا فتيلها في أيامنا هذه، فصارت أسوأ ما نقرأه في بطاقات الهوية. ولعل الجميل في الشق الثاني من سؤالك هو المقابلة بين العصبية والسياسة، فهي تؤكد أنك سياسي بارع.
● من هم مماليك العصر؟
◄ هم الذين يمشون في الطرقات ولا يدرون إلى أين المسير.
● متى تطلع الشعيرات البيضاء في قلبك؟
◄ عندما تتعب الشعيرات السوداء من مواجهة الرياح الهوج التي كثر عصفها في هذا الزمان الهلامي الملامح.
● في كتابها (الحياة مع بيكاسو) تقول فرانسوز جيلو المرأة الرابعة في حياته التي عاشت معه ما يقارب العشر سنوات وأنجبت منه ولداً وبنتاً تقول: (كل فنان عظيم لا يعرف كيف يحب) ما رأيك؟
◄ عندما قرأت هذا السؤال سرحت في الخيال طويلاً ووجدتني بلا مقدمات أبحث في القصاصات القديمة لحوارات مع عبد الحليم حافظ وزيدان ومحمود عبد العزيز ولا أدري لماذا.
● قلت له ايضا فرانسوز جيلو في نفس الكتاب تقول (إن كل فنان عظيم أناني جداً) ما رأيك؟
◄ أظنها ستكون على حق شريطة أن يوجد الفنان العظيم.
● قلبك لو طلب منك أن تتنازل عنه لأحد فلمن تعطيه؟
◄ أعطيه لروحي بلا تردد، وآه من روحي على روحي.
● هل توافق على أن وراء كل عظيم امرأة تعذبه؟
◄ ومن قال إن التي تعرف التعذيب تقف وراء العظيم وحده؟
● هل وراءك إمرأة أم أصبحت بجانبك؟
◄ أصبحت فوق رأسي تطارد الأوهام التي لا تستجيب لأوامرها بالزوال.
● هل سبق أن شعرت بملل وأنت تتحدث مع إمرأة جميلة؟
◄ كان هذا في يوم جميل من الأيام الخوالي، حيث كان في قديم الزمان وفي سالف العصر والأوان أن خرجت حورية من بلاد الجن ووقفت أمام نواظري تسد أركان الأفق العريض، وعندما تأملت شعرها الكستنائي وفمها المنقوش بزهر الأقحوان عاتبتها ثلاثاً لأنها خلعت ثلاثة من شرايين الفؤاد ولم تترك به غير مدخلين واحداً للأنفاس والثاني لها. وتطايرت من عيونها عصافير زرقاء حلقت هنيهةً ثم رقصت وسط حقول البنفسج فنضجت سنبلات القمح في ذاك المساء، وصرخت حينها أطلب من ينجدني من سهام (أسماك الشبوط) التي تدافعت حولي تساندها غصون الياسمين. وفجأة أحسست بأن نياط قلبي تتلظى بين أوراق الصنوبر. وتساقطت حبات عقلي مثل حبات المطر، وأرعدت البروق في ضلوعي، وكذا الإحساس أشرق بالغناء، وفجأة طارت العصافير، وقبل أن أسألها أخبرتني أنها خرجت لتبحث عن معنى الملل كي تجيب على السؤال.
● لماذا العرب لم يتفقوا طوال تاريخهم؟
◄ كلا، فإنهم اتفقوا على ألا يتفقوا.
● هل حدث أن أدرت ظهرك لنداء إمرأة؟
◄ كلا، لأنني حينما حاولت أن أدير ظهري وجدتها من خلفي أيضاً تنادي.
● وهل حدث أن بكيت بسبب إمرأة أحببتها؟
◄ سؤالك هذا مثل القصيدة التي كلما حاولت أن أضعها في قالبها النهائي أبت إلا أن أعيد الجلوس معها ثانية حتى تكتمل استدارتها رغم ضجيح السابلة من خلف الجدار.
● هل صحيح أن المرأة كالمرآة المقعرة كلما نظرت فيها وجدت نفسك مقلوباً؟
◄ دعني أنظر في المرآة المقعرة أولاً ثم أستدعي الإجابة فمن سنين والمرايات كلها فقدت نصف قعرها.
● هل تحب معاملة الأذكياء؟
◄ عندما ألتقيهم لا أبالي: هل أحب أم لا أحب، لأنهم يفرضون عليَّ أن أعاملهم قبل استشارة النفس واستئذان الوجدان.
● الأغبياء ماذا تقول عنهم؟
◄ إنهم كملح البحر إن أردنا أن نستفيد من مائه لا بد أن نمر عبر طعمه المر، وإن أردنا التخلي عن مرارة ملحه سنفقد فرصة الاغتسال من أوساخ هذا الزمان العصيب.
● هل أنت واثق من نفسك؟
◄ أحياناً نعم وأحياناً لا، ولتعرف السبب دعني أسأل صديقي الذي سألني نفس هذا السؤال قبل ثلاثين عاماً وأجبته يومها بقولي: هل أنت ترى ذلك؟ ولم ألتقيه منذ ذلك اليوم.
● كيف تتخذ قراراتك؟
◄ تصور أنني في معظم الأحوال أتخذ قراراتي بمفردي وقد تسألني لماذا؟ السبب هو أنني في كثير من الأمور التي شاورت فيها الآخرين وجدت نفسي ساقطاً بين براثن الخيار الأسوأ. ولذلك قررت أن أتحمل أمر نفسي وأفكر في قراري وحدي وأرتبه وحدي وأحصده وحدي ثم آكل ثماره مع الآخرين.
● قراراتك هل كلها صحيحة؟
◄ في معظم الأحيان كانت صحيحة مائة في المائة، ولكن هناك قرار وحيد شعرت بأنه لم يكن صائباً كما أريد ولكن ما هو؟ لا عليك خليه في سرك..؟!
● ما هو حجم التلقائية في سلوكك؟
◄ حجم التلقائية في سلوكي كحجم قامتي، وقد تفصل على مقاسي لأني كلما تركت التلقائية وجدتني ألبس جلباباً لا يساعدني على الخروج إلى الشارع.
● هل تملك شجاعة الإعتذار عن أخطائك؟
◄ مشكلتي ليست في عدم الشجاعة على الاعتذار عن أخطائي وإنما كل الأخطاء التي وجدت نفسي مضطراً للاعتذار عنها كانت آخطاء غيري. ولكنني واثق أنني لا أملك الشجاعة التي أقول بها للآخرين إن الخطأ خطأكم أنتم. وكما ترى فقد مشيناها خطىً كتبت علينا ومن كتبت عليه خطىً مشاها.
● تقول غادة السمان: (إن الرجولة عطاء وليست اعتداء) فماذا تقول أنت؟
◄ أتمنى أن يسمع كل بني الإنسان هذه المقولة لاسيما كأهل بلادي من عرب البادية وفرسان طواحين الهواء.
● قلت له هل صحيح أن المرأة تصدق أنها جميلة حتى إذا قال لها ذلك شخص لا يرى؟
◄ طبعاً، وأظنها في هذه الحالة ستصدقه أكثر لأنها تعلم أن كثيراً من المبصرين لا يقولون الحقيقة.
● وتقول الأديبة غادة السمان: (الزواج ليس استقراراً .. الاستقرار الوحيد هو القبر وعنوانه الموت) هل تتفق معها في ذلك ؟
◄ أنا لا أوافق بل وأرفض بشدة هذا الادعاء، وأغلب ظني أن هذا شيء من الإسقاط لأننا كما نعلم أن معظم المبدعين يصنعون الروايات ليصبوا في قوالبها تجاربهم الشخصية.
● هل عثرت على أصدقاء وما زالوا؟
◄ نعم وهم الكنز الأكبر الذي أحرص عليه ما حييت في هذه الحياة الفانية.













