الموت يغيّب أحد أبرز رواد الغناء الشعبي السوداني
ما أحلى التصافي من بعد التجافي».. الأغنية التي خلدت اسمه
من أبو قوتة إلى أم درمان.. بدايات صنعت نجماً استثنائياً
تجربة متفردة في تطوير الأغنية الشعبي
سنوات المرض القاسية والصمت الذي أبعده عن جمهوره
الريح وجبريل و فلاح.. شركاء رحلة الإبداع
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ في ظهيرة يوم أمس السبت السادس من يونيو 2026، أسدل الموت ستاره على فصل بديع من فصول الغناء الشعبي السوداني الأصيل، حين فارق الحياة بمدينة أم درمان الفنان الكبير عبد الوهاب الصادق، بعد معاناة طويلة مع المرض أقعدته عن الحياة الفنية سنوات شقت وجدانه وأوجعت محبيه.
ـ رحل عبد الوهاب الصادق، ولكنه لم يرحل كلياً، فصوته الراسخ في ذاكرة الأجيال سيظل يصدح كلما فتح مستمع أذنه لألحان زمن كان فيه الفن نبلاً وكلمةً وروحاً.
رحلة صوت نادر
ـ ظهر عبد الوهاب الصادق في فترة كانت سائدة فيها الكلمة الجميلة التي خلدت في أذن المستمع السوداني من عمالقة الطرب الأصيل، ولكن عبد الوهاب أثبت بأنه فنان موهوب يمتلك مقومات الفنان الرصين، وله منهجه الخاص ومدرسته المميزة.
جاء عبد الوهاب الصادق من منطقة أبو قوتة، تلك البقعة المباركة التي أنجبت رجالاً يحملون في صدورهم عبق الريف وشجنه وجماله. جاء ذلك اليافع متشبعاً بروائع الجمال والخضرة ونفحات الريف الثر بكل القيم والثقافات العالية والشجن، مما أثار قلق منافسيه في ذلك الوقت.
ولم يكن قدومه إلى الخرطوم وأم درمان مجرد انتقال جغرافي، بل كان رسالة فنية يحملها صوت استثنائي لم تصقله المدارس الموسيقية الأكاديمية بقدر ما صقلته الأرض والناس والشعر الصادق. استقر في العاصمة القومية، وسرعان ما نسج مكانته بين كبار الفنانين حتى صار اسمه في كل موسم ملء الأفواه، وحجوزاته ملء الأجندات.
تجديد الأغنية الشعبية
ـ ما ميّز عبد الوهاب الصادق عن أقرانه لم يكن الصوت وحده، رغم أنه كان صوتاً استثنائياً ذا أبعاد مدهشة، بل كان رجلاً يفكر في فنه ويسعى إلى تطويره.
ولتحديث الأغنية الشعبية أدخل آلة «البيز»، ليضيف إلى صوته ذي الأبعاد المدهشة ألقاً وبعداً آخر، مما رسخ فنه في وجدان المستمع والمشاهد، وجعله حاضراً عبر الأجيال.
وكان إدخال آلة البيز خطوة جريئة في زمن كانت الأغنية الشعبية السودانية تسير فيه ضمن مسارات محددة، فابتكر بذلك نكهة صوتية خاصة تمزج بين الأصالة السودانية وخفة الإيقاع، لتسكن الأغنية الأذن وتبقى فيها.
اختيار من بحر الإبداع
ـ لم يكن عبد الوهاب الصادق مجرد صوت يغني ما يُقدم إليه، بل كان ذواقاً حقيقياً للكلمة الشعرية.
وقد أثبت عبر مسيرته الفنية الثرية حسن اختياره لنصوص كبار الشعراء، أمثال عبد الرحمن الريح، وعوض جبريل الشاعر والملحن القدير الذي كان يجمّل أعماله ويكملها باللحن، ثم محمود فلاح الشاعر والملحن والمؤسس لدار فلاح لتطوير الغناء الشعبي، والتي كان عبد الوهاب أحد ركائزها القوية.
هذا الثلاثي الإبداعي؛ الريح وجبريل وفلاح، شكّل مع عبد الوهاب الصادق تحالفاً فنياً نادراً، كان كل طرف فيه يكمل الآخر ويرتقي به. والمتأمل في مسيرته يدرك أنه لم يغنِّ الكلمة الرديئة يوماً، إذ كانت انتقائيته للنص الشعري جزءاً لا يتجزأ من هويته الفنية وأخلاقيات أدائه.
«ما أحلى التصافي من بعد التجافي»
ـ من بين أعماله التي رسخت في الوجدان الجمعي السوداني، تتصدر أغنية «ما أحلى التصافي من بعد التجافي» مكانة متميزة، ليس فقط لجمالها الموسيقي، بل لما تحمله من حكمة إنسانية عميقة تتجاوز الزمان والمكان.
العنوان في حد ذاته مقطوعة شعرية قائمة بذاتها؛ فالتصافي لغةً هو الصفاء المتبادل، تلك الحالة النادرة التي تعود فيها الأرواح إلى بعضها نقية من كل كدر، أما التجافي فهو الجفاء والبعد والانقطاع الذي يمزق أوصال الألفة، وبين الكلمتين تتشكل قصة الحياة كلها؛ هجر ولقاء، كدر وصفاء، غياب وعودة.
وتقوم الأغنية على فلسفة أن الفراق ليس نهاية، وأن الجفوة مهما طالت قابلة للإزالة، وهو معنى يتردد صداه في وجدان كل إنسان مرّ بتجربة الخصام ثم عاد الدفء يطل من جديد.
والأغنية في أداء عبد الوهاب كانت تبدأ هادئة كنسمة فجر، ثم تتصاعد تدريجياً حتى تبلغ ذروة الطرب، فيجد المستمع نفسه مسكوناً بالشعور، لا يملك إلا أن يسلم قلبه للألحان. وكان صوته فيها يجمع بين الحنين والأمل، وبين الوجع الهادئ والفرح الآتي، مما جعلها تُغنى في مجالس السمر والأفراح على حد سواء.
مرحلة المرض
ـ برغم البهجة التي زرعها في نفوس الناس، ظلت لحظات الحزن تلازم محبيه وهم يشاهدون الفنان عبد الوهاب الصادق يحاول أن يستعيد لصوته نبراته العالية ليعاود الغناء من جديد.
وكان يتابع، بكل شغف وحرقة وألم، المرض الذي أقعده عن مواصلة مسيرته الخالدة، ليتوقف مشواره متكئاً على ماضٍ من أروع ما يكون.
وظل الراحل حبيس ظروف وأقدار ليس له يد فيها، والمقدّر لا بد أن يكون. وهكذا صمت الصوت الذي أطرب الآذان وأسكر القلوب، لكن الصمت لم يكن غياباً في الوجدان، إذ ظل محبوه يعودون إلى أغانيه كلما اشتاقوا إلى زمن الجمال، وكلما أراد الشباب أن يعرفوا كيف كان الغناء السوداني في أيام عزه وكماله.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
ـ رحل عبد الوهاب الصادق عن دنيانا في أم درمان، تلك المدينة التي احتضنت صوته وكرمته بحب جمهورها، وأودعها أجمل سنوات عطائه.
وظل فنه حاضراً عبر الأجيال، فالفنان الحقيقي لا يموت يوم يُدفن، بل يموت يوم تُنسى أغانيه، وأغاني عبد الوهاب الصادق من تلك التي تأبى النسيان.
ستظل «ما أحلى التصافي» تُغنى في الأفراح ومجالس الأنس، وستظل «ست الريد» وسائر أعماله جسراً بين الأجيال، يعبر عليه الجمهور السوداني كلما أراد أن يلامس روح الغناء الأصيل.
لك الرحمة يا عبد الوهاب، وللفن السوداني العزاء في رائد من رواده الكبار. وداعاً أيها البلبل الذي أتى من أبو قوتة حاملاً عبق الريف وصدق الكلمة، ليبني في أم درمان صرحاً فنياً لن تهدمه الأيام.
رحم الله الفنان عبد الوهاب الصادق، وأسكنه فسيح جناته، وأحسن العزاء لأسرته وجمهوره وكل محبي الفن السوداني الأصيل.
إنا لله وإنا إليه راجعون.









