هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ حين يتحدث محمد سيد أحمد الجكومي، القيادي البارز في نادي المريخ، عن علاقة ناديه بالاتحاد العام لكرة القدم، فإنه يتحدث بلغة الواثق الذي يعرف تماماً أين تقع خيوط اللعبة الحقيقية. وفي تسجيل متداول من قبل، أثار موجة واسعة من الجدل في الأوساط الرياضية السودانية، كشف الجكومي عن حقيقة صارخة طالما همس بها كثيرون، لكن لم يجرؤ أحد على البوح بها علناً، وهي أن نادي المريخ موجود في كل لجان الاتحاد العام ويسيطر عليها تماماً.
ـ هذا الاعتراف، الذي جاء على لسان قيادي مريخي، ليس اتهاماً يصدر عن غريم أو منتقد، بل هو إقرار صريح يثير أسئلة جوهرية حول مصداقية الاتحاد ونزاهته، وعن مصير الأندية الأخرى التي تجد نفسها في مواجهة هذه الهيمنة وحيدة وعزلاء.
ـ الاتحاد العام لكرة القدم هيئة تُفترض فيها الحيادية التامة والنزاهة المطلقة، ومهمته الأولى والأخيرة أن يكون حكماً عادلاً بين الأندية، لا أن يكون ذراعاً تمتد بها جهة بعينها لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها. غير أن ما يكشفه تسجيل الجكومي يشير إلى واقع مغاير تماماً، واقع تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه الولاءات بين المريخ ومنظومة القرار في الاتحاد. فحين تكون لجنة المسابقات، وهي الجهة التي تقرر مصائر الفرق وتحدد نتائج الاحتجاجات، تحت نفوذ نادٍ بعينه، فإن ذلك لا يعني أقل من أن البطولة بأسرها تُدار من خلف الكواليس. وحين تكون لجنة الأخلاقيات، المنوط بها محاسبة المخالفين، مغلفة بالمحاصصة وبعيدة عن الشفافية، فإن القانون يتحول إلى سيف ذي حد واحد يُشهر في وجه الخصوم ويُغمد حين يتعلق الأمر بالحلفاء. وهذا تحديداً ما أشار إليه عدد من المراقبين حين لفتوا إلى أن تشكيل اللجان الجديدة في الاتحاد جرى وفق «منطق المحاصصة وتوزيع المواقع على الموالين»، وأن قرارات الاتحاد باتت تبدو في نظر كثيرين «أقرب إلى الانتقام منها إلى العدالة».
ـ نحن هنا لا نوجه أي اتهام، فالمستفيد نفسه اعترف بهيمنته. وتسجيل الجكومي لا يحتاج إلى كثير من التأويل، فحين يقول مسؤول مريخي إن ناديه موجود في كل لجان الاتحاد ويسيطر عليها، فهو لا يفصح عن فخر فحسب، بل يقر بمنظومة متكاملة من السيطرة المؤسسية بُنيت على مدى سنوات بعيداً عن أي رقابة أو محاسبة. وهذا الاعتراف يلقي ظلالاً ثقيلة على كل قرار أصدره الاتحاد في السنوات الأخيرة. فهل كانت قرارات التحكيم نزيهة؟ وهل جرت المسابقات بعيداً عن التدخل؟ وهل حُسمت الاحتجاجات بمعيار القانون وحده؟
ـ لا يكفي هنا الاكتفاء بتشخيص الداء، فالمشكلة بنيوية تستدعي إصلاحاً جذرياً. ومن أبرز ما يجب أن يطالب به الرأي العام الرياضي السوداني:
أولاً: إعادة هيكلة لجان الاتحاد بحيث لا تضم أعضاء في مناصب قيادية بأندية منافسة، وهو معيار معمول به في معظم اتحادات كرة القدم الاحترافية.
ثانياً: اعتماد مبدأ الإفصاح والشفافية في جميع قرارات الاتحاد، وإتاحة الطعن فيها أمام جهات مستقلة.
ثالثاً: فتح تحقيق مستقل في القرارات التي اتخذها الاتحاد خلال السنوات الأخيرة، لا سيما تلك المتعلقة بالمسابقات التي كان المريخ طرفاً فيها.
رابعاً: مطالبة الاتحاد الأفريقي (كاف) والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بمراقبة حوكمة الاتحاد السوداني، فالنظام الأساسي لكرة القدم الدولية يشترط صون الاستقلالية عن أي تأثيرات خارجية، سواء أكانت سياسية أم صادرة عن الأندية.
ـ المريخ نادٍ عريق وله تاريخ كروي مشرق، وجماهيره تستحق أن تفخر بانتمائها، لكن العظمة الحقيقية لا تُبنى بالهيمنة على مؤسسات المنافسة، بل تُرسخ بالانتصارات داخل المستطيل الأخضر.
ـ اتحاد كرة القدم ملك للجميع؛ للمريخ والهلال والموردة ومريخ الفاشر وهلال الساحل والفلاح، ولكل الأندية السودانية من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق. وحين يتحول الاتحاد إلى أداة في يد نادٍ واحد، فإن الكرة السودانية برمتها تخسر، بما في ذلك المريخ نفسه، الذي ستتآكل شرعية انتصاراته مع مرور الوقت.
ـ إن اعتراف الجكومي فرصة، إن أحسن الجميع استغلالها، قد تكون بداية لإصلاح حقيقي تستحقه الكرة السودانية.
ظل أخير
ـ آخر لقب محلي حققه المريخ كان الدوري السوداني للموسم 2019 ـ 2020، ومنذ تلك اللحظة والجفاء يلازمه. وخرج المريخ خالي الوفاض من الدوري الموريتاني، ثم جاءت الصفعة الكبرى في دوري النخبة حين سقط أمام الهلال برباعية في مدينة الدامر، قبل أن يودع الدوري الرواندي وهو وصيف الوصيف. ست سنوات بلا لقب محلي، وخروج متكرر من الأدوار التمهيدية في كل بطولة إقليمية طرق بابها. هذا هو الواقع الذي يعيشه المريخ اليوم، وهو واقع يفسر كثيراً مما يجري خارج أرض الملعب. فحين يعجز الفريق عن انتزاع الألقاب بالموهبة والاحتراف، تتحول الأروقة الإدارية إلى ملعب بديل، ولهذا نجد أن الجميع، بمن فيهم الاتحاد العام لكرة القدم، يعملون بكل ما أوتوا من نفوذ لتتويج المريخ بهذه النسخة من دوري النخبة، بعد أن أُغلقت أمامه أبواب التتويج في كل مكان.
ـ هلال الفاشر، الذي ظهر أمام المريخ حملاً وديعاً وخسر بهدفين دون أن يقدم مقاومة تذكر، انقلب أمام الهلال إلى وحش كاسر، وكشر عن أنياب لم يكن يمتلكها أمام المريخ. عنف زائد، وتدخلات متعمدة، وإصابات متعددة في صفوف الهلال، كان أبرزها إصابة اللاعب فلومو التي استدعت نقله بسيارة الإسعاف. وهذا التناقض الصارخ في الأداء لا يحتاج إلى خيال واسع لتفسيره.
ـ حين يحظى فريق ما في المسابقة بحماية الاتحاد وتواطؤ من حوله، فإن الأندية الأخرى تتحول، طوعاً أو كرهاً، إلى أدوات في خدمة هذه المعادلة، ويجد الهلال نفسه في كل جولة محاصراً، لا بمنافس واحد، بل بمنظومة تعمل بكل ما أوتيت من طاقة على خدمة المدعوم التقليدي وإزاحة غريمه التاريخي.
ـ الكرة السودانية تستحق ملاعب ينتصر فيها الأجدر، لا ساحات تُدار فيها النتائج من خلف الأبواب الموصدة.









