بلا ميعاد:
عوض أحمد عمر
▪️
– على بعد ساعات من مباراة القمة المرتقبة… لا ينشغل جمهور الهلال بما سيقدمه اللاعبون داخل الملعب ، وإنما بما قد يحدث خارجه وداخله بعيدا عن أرجل اللاعبين .
– فحالة التوجس التي تسود الشارع الهلالي اليوم ليست نتاج مباراة واحدة أو قرارات مؤقتة وإنما حصيلة تراكمات طويلة من المواقف والقرارات التي أضعفت الثقة بين الهلال وجماهيره من جهة، واتحاد الكرة من جهة أخرى.
– وعندما تفقد جماهير أحد أكبر الأندية في البلاد ثقتها في المؤسسة المسؤولة عن إدارة اللعبة، فإن المشكلة لا تكون في الجماهير، وإنما في المؤسسة التي عجزت عن طمأنتها وإقناعها بأنها تقف على مسافة واحدة من الجميع.
– المشكلة الأساسية لا تكمن في انتماءات الأفراد، فلكل شخص الحق في تشجيع النادي الذي يريد …لكن الأزمة تبدأ عندما يصبح الانتماء عاملاً مؤثراً في تشكيل المؤسسة التي يفترض أن تدير المنافسة بالعدل والمسؤولية بين جميع الأندية.
– ولذلك لم يكن مستغرباً أن تثير تركيبة الاتحاد الحالي كل هذه المخاوف، وهي تركيبة يغلب عليها اللون الأحمر بصورة غير مسبوقة، حتى بات كثيرون ينظرون إلى الأمر باعتباره اصطفافاً انتخابيا في لحظة غفلة وعدم انتباه.
– ولو أن هذا الواقع جاء بمحض الصدفة لربما تقبله الناس على مضض، لكن ما عزز الشكوك ذلك الحديث المنسوب لنائب رئيس المريخ السابق حينها ، حين قال إن ما حققه مجلسهم في انتخابات اتحاد الكرة لم تستطع تحقيقه كل مجالس المريخ المتعاقبة منذ تأسيس النادي.
– لم يكن الرجل يتحدث عن بطولة أو مشروع استثماري، بل كان يتحدث عن السيطرة على مفاصل الاتحاد ولجانه باعتبارها إنجازاً تاريخياً للمريخ.
– هذه التصريحات تمثل أخطر شهادة يمكن أن تقال في حق الاتحاد الحالي.. لأن السؤال الذي يفرض نفسه .. كيف يمكن لجماهير الهلال أن تطمئن إلى حياد مؤسسة يعتبر أحد أبرز قادة المريخ السابقين أن السيطرة عليها تمثل أعظم إنجاز لناديه؟
– والأكثر إثارة للدهشة أن الرجل نفسه أصبح لاحقاً مستشاراً للاتحاد بعد مغادرته مجلس إدارة المريخ.
– ومرة أخرى لا يتعلق الأمر بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالرسائل التي تصل إلى الرأي العام الرياضي، والتي تجعل الحديث عن الحياد أكثر صعوبة، وتجعل الشكوك أكثر حضوراً.
– ثم جاءت الوقائع العملية لتزيد من حجم القلق… فكلما حدثت أزمة أو صدر قرار مثير للجدل، وجد الهلاليون أنفسهم أمام شعور متزايد بأن الاتحاد يتعامل بعقلية أقرب إلى لجنة كرة مريخية منه إلى مؤسسة قومية مسؤولة عن إدارة اللعبة .
– ويكفي النظر إلى ما تعرض له الهلال خلال المنافسة الحالية، ثم مقارنة ذلك بالتعامل مع أحداث مباراة المريخ وهلال الساحل، حتى تتولد أسئلة مشروعة حول وحدة المعايير وعدالة التطبيق. فالعدالة لا تتحقق بإصدار التصريحات وإنما بالضمير المسؤول الذي يتعامل مع الأندية جميعها بميزان واحد .
– ولعل مايزيد من حالة الشك وسط جماهير الهلال حول البطولة الموجهة هو ما حدث في برمجة المباريات خلال المرحلة الأخيرة من المنافسة.
– فالبرمجة الأولى كان مقرر أن يواجه الهلال الأهلي مدني ثم يخوض مباراة القمة بعد يومين فقط..ومع ما صاحب ذلك من تحفظ بان المريخ سيحصل على ثلاثة أيام كاملة من الراحة قبل مواجهة الهلال … وفي الأسبوع الأخير من المنافسة كان المريخ سيلعب أولاً أمام هلال الساحل، ثم يخوض الهلال مباراته أمام هلال الفاشر في اليوم التالي.
– غير أن الاتحاد عاد وعدل البرمجة بصورة أثارت كثيراً من الجدل… فقد تم تأجيل مباراة القمة، ثم تقديم مباريات الأسبوع الأخير، والأهم من ذلك أن الهلال أصبح مطالباً باللعب أولاً.. بينما يؤدي المريخ مباراته بعده وأصبحت الراحة ثلاثة أيام بدلا عن يومين .
– وفي مقابل كل ذلك، يبدو مجلس الهلال غائباً عن أداء دوره الحقيقي في حماية حقوق النادي والدفاع عن جماهيره.
– فالبيانات التي صدرت حتى الآن تبدو أقرب إلى رفع العتب منها إلى المواقف التي تعكس حجم الهلال وثقله وجماهيريته.
– وكان المنتظر من المجلس أن يتخذ موقفاً أكثر وضوحاً منذ تداول حديث السيطرة على الاتحاد، لأن الأمر لا يتعلق بخلاف مؤقت ، وإنما بمسألة تمس نزاهة المنافسة الرياضية بأكملها.
– قد وصلت جماهير الهلال إلى مرحلة متقدمة من فقدان الثقة في اتحاد الكرة، لكنها في الوقت نفسه لا تعفي مجلس الهلال من نصيبه من المسؤولية… فالاتحاد يتحمل مسؤولية القرارات التي أثارت الجدل وأضعفت الثقة في عدالته وحياده، بينما يتحمل مجلس الهلال مسؤولية الصمت والتردد وعدم اتخاذ المواقف التي تحفظ حقوق النادي وتعبر عن إرادة جماهيره.
– فالشراكة في صناعة الأزمة لا تقتصر على من يصدر القرار، بل تشمل أيضاً من يكتفي بالصمت دون أن يواجهه أو يعترض عليه بالقدر المطلوب.
▪️آخر الكلم▪️
– إن استمرار هذا الوضع لا يهدد الهلال وحده، بل يهدد مستقبل اللعبة نفسها.
– فحين تفقد جماهير أحد أكبر الأندية ثقتها في المؤسسة المنظمة للمنافسة، وحين تشعر بأن حقوق ناديها لا تجد من يدافع عنها بالقوة المطلوبة، فإن ذلك يخلق مناخاً خطيراً من الاحتقان والشكوك والتوتر.
– ومهما كانت قوة الإجراءات التنظيمية والأمنية، فإن أمن الملاعب يبدأ من الثقة في العدالة وينتهي عندها.
– لذلك فإن أخطر ما يواجه الكرة السودانية اليوم ليس صراع النقاط أو صراع البطولات، وإنما تآكل الثقة في المؤسسات… وإذا لم يتم تدارك ذلك بالمسؤولية والضمير المعافي فإن الضرر لن يصيب نادياً بعينه، بل سيمتد إلى استقرار المنافسات وسمعة اللعبة وأمن الملاعب نفسها.
،Omeraz1@hotmail.com









