الذكرى الثامنة عشرة لرحيل الهرم الفني الكبير
صوت لا يعرف الغياب وشجن يتجدد مع الأجيال
منابر الطرب تستعيد زمن الجمال
مدرسة فنية صنعت وجدان السودان
حين سكت القلب واستمر اللحن
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
في السابع من يونيو عام 2008، توقف قلب لكن الصوت لم يتوقف رحل عثمان حسين محمد التوم عن دنيانا تاركاً وراءه نهراً لا ينضب من الألحان والمشاعر والذكريات مخلفاً في صدر كل سوداني جرحاً جميلاً يدمي ويطرب في الوقت ذاته ثمانية عشر عاماً مرت على رحيل الهرم وما زالت أغنياته تغسل الأرواح كما يغسل ماء النيل تربة الشمال وما زالت ألحانه تتسلل إلى القلوب كأنها ولدت أمس.
ـ لم يكن عثمان حسين مجرد مطرب يؤدي أغاني ويملأ الأمسيات كان ظاهرة فنية ومدرسة موسيقية قائمة بذاتها وثورة رومانسية هادئة نقلت الأغنية السودانية من مرحلة إلى مرحلة لا تقاس بسنوات بل بأجيال كان صاحب أرق صوت عرفته أذن السوداني وأعمق لحن خالط وجدانه وكان بحق كما أجمع كل من عرفه ذلك الهرم الذي لا يُهدم.
ـ في هذه الذكرى الثامنة عشرة نستعيد سيرة رجل يستحق أن تُكتب عنه مجلدات ونحيي ذكراه بما هو خير هدية له أن نتذكره وأن نتأمل في عطائه وأن نعيد قراءة تلك الأغنيات التي كانت وستظل مرآة لروح شعب.
الجذور والنشأة من مقاشي إلى الخرطوم
الميلاد في أحضان الشمال
ـ ولد عثمان حسين محمد التوم عام 1927 في قرية مقاشي تلك الجزيرة الخضراء الجميلة التي تقع في محلية مروي بالولاية الشمالية على الضفة الشرقية لنهر النيل العظيم فُتحت عيناه على الخضرة والماء والوجه الحسن وكأن الطبيعة كانت تعد له روحاً تستعد لأن تحول كل هذا الجمال إلى ألحان.
والدته هي السيدة فاطمة الحسن النور كرار وكان والده يعمل في مصلحة الزراعة وعند بلوغه الخامسة من عمره التحق كعادة أهل السودان بخلوة الشيخ محمد أحمد ود الفقير ليحفظ ما تيسر من القرآن الكريم ثم ما لبثت الأسرة أن انتقلت إلى الخرطوم حيث يعمل والده.
طفولة في رحم العاصمة
ـ استقرت الأسرة في ديم التعايشة بالخرطوم والتحق الطفل عثمان مجدداً بخلوة أخرى ثم انتقل بعد ذلك إلى مدرسة الديم شرق الأولية التي أتم فيها سنواته الأولى لم يكن التلميذ الصغير من أوائل الفصل فقد كانت مادة الرياضيات عدوه اللدود وكانت ملاعب كرة القدم هي مملكته الحقيقية ولما لم يوفق في الالتحاق بالمدارس الوسطى أرسله والده ليتعلم صنعة الخياطة في دكان محمد صالح زهري باشا قرب نادي العمال في وسط الخرطوم.
مقهى العيلفون حيث ولد الفنان
ـ لكن قدر عثمان حسين كان مختلفاً فبدلاً من أن تسحبه إبرة الخياطة إلى مهنة أخرى شدته الأنغام إلى طريق لم يتخل عنه حتى آخر أيام حياته كان يتسلل من دكان الخياطة إلى مقهى العيلفون القريب حيث الأسطوانات ترسل ألحانها في الهواء صوت كرومة الكروان وسرور وأسطوانات خليل فرح خاصة تلك الأغنية التي ظل يرددها طويلاً (أعبدة.. ما ينسى مودتك القلب) وأغنية (وين مثلك في علاك) بصوت الفنانة عائشة موسى الفلاتية.
رصده صاحب العمل يتغيب ويعاقبه لكن عثمان لم يثنه ذلك كان الجمال الذي يسمعه أكبر من كل عقاب واشترى عوداً بـ(150 قرشاً) وانضم إلى مجموعة من الأصدقاء المثقفين الذين يتسامرون ويستمعون للموسيقى وهكذا بدأت رحلته مع أسرار العود والتلحين متتلمذاً على يد عدد من الموسيقيين أمثال محمد إسماعيل بادي وعازف الترمبيت شعلان وحسني إبراهيم وعبد الحميد يوسف.
الإذاعة البداية والانطلاقة
الباب الذي فتحه أخ وفيّ
ـ كان لشقيقه طه حسين دور محوري في مسيرته كان طه يعمل في مطبعة (ماركوديل( التي تطبع مجلة الإذاعة السودانية (هنا أم درمان) وذات يوم جاء متولي عيد مدير الإذاعة لاستلام نسخة من المجلة فسأل عن أصوات شابة واعدة فلم يتوانَ طه في ترشيح أخيه عثمان.
عام 1947 وقف عثمان حسين أمام لجنة الاستماع في الإذاعة السودانية مؤلفة من فوراوي وسعد الدين فوزي ومتولي عيد وحلمي إبراهيم وأبو عاقلة يوسف ومحمد عبد الرحمن الخانجي غنى (اذكريني يا حمامة) فلم تحظَ بالقبول الكامل لكن متولي عيد وفوراوي شجعاه شخصياً فعاد بقصيدة من ألحانه الخاصة بعنوان (حارم وصلي مالك يا المفرد كمالك) لتكون أول الألحان في مشواره الفني الطويل.
وسرعان ما قدم له شقيقه طه قصيدة الشاعر قرشي محمد حسن المنشورة في (هنا أم درمان) بعنوان (اللقاء الأول) فلحنها وغناها لتكون من بواكير أعماله البارزة.
الصعود المتسارع
ـ بدأ اسم عثمان حسين يلمع سريعاً في سماء الفن السوداني تعرّف على المثقفين والشعراء والموسيقيين وكان دكانه للخياطة منتدى لهم وتدرج في عالم التلحين بثقة واقتدار مستشيراً الموسيقيين الكبار أمثال عبد الله عربي وعبد الفتاح الله جابو وحسن خواض وحمزة سعيد وكانت مشورتهم مرآته التي يرى فيها حقيقة ما يقدم.
المسيرة الفنية (الثورة الرومانسية)
مدرسة قائمة بذاتها
ـ يعد عثمان حسين أحد أبرز مجددي الأغنية السودانية المعاصرة جاء بعد جيل الرواد الأول الذين أرسوا فن الحقيبة واستفاد من ميراثهم لكنه نقل الغناء السوداني إلى أفق جديد كلياً وصف بـ(الرومانسية الحديثة) وهي نقلة وصفها الفنان الجيلاني الواثق بقوله (خرج بها من التقليد والرتابة في فترة ما بعد الحقيبة وجعل الأغنية السودانية ذات وزن موسيقي مميز).
البصمة الموسيقية الفريدة
ـ تميزت موسيقى عثمان حسين بعدة خصائص نادرة:
*المقدمات الموسيقية الطويلة كان يضع لأغنياته مقدمات موسيقية مطولة في تأثر واضح بعمالقة الموسيقى العربية وخاصة المايسترو محمد عبد الوهاب وما كان سائداً في أغنيات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. وهذا ما جعل أغنيات كـ(محراب النيل) و(قصتنا) تحمل طابع التأليف الموسيقي الكبير.
*التلحين المقطعي المكتمل
ـ كان ينتقي لكل مقطع لحناً مستقلاً مع الحرص على التكامل الكلي بحيث تعطى كل جملة شعرية (إحساسها اللحني) وكانت الجملة عنده تحمل معنى كاملاً يريح المتلقي كما في (كل طائر مرتحل عبر البحر قاصد الأهل).
*الاختيار الدقيق للنص الشعري
ـ كان عثمان حسين يصفي الكلام ويغربله وينقيه قبل أن يضع له لحناً وكان يتأمل في الكلمة طويلاً فيداعبها ويهدهدها حتى يجد اللحن الذي يليق بها لهذا جاءت كل أغنياته بلا استثناء تقريباً من فصيح الشعر ورفيعه.
*التوازن بين الأغنية الخفيفة والأغنية السماعية
ـ قدم الأغنيات الرشيقة كـ(لا تسلني) و(أنت لي) كما قدم الأعمال الكبيرة الطويلة كـ(محراب النيل) و(قصتنا) وكانت أعماله على اختلاف أنواعها تتنافس في الجودة وهو أمر نادر جداً في مسيرة أي فنان.
الشعراء الذين صنعوا معه التاريخ..
حسين بازرعة رفيق الرحلة والروح
ـ كان الشاعر حسين بازرعة هو الشريك الفني الأول لعثمان حسين وشكل الاثنان ثنائية استثنائية في تاريخ الأغنية السودانية تعمقت العلاقة بين المطرب والشاعر حتى تجاوزت حدود الفن إلى رابطة روحية عميقة فحين قدم بازرعة من السعودية يوماً أصر عثمان على زيارته في مدينة بورتسودان ومن هذه الشراكة خرجت أعمال كـ(شجن) و(لا وحبك) و(المصير) وغيرها من الدرر الخالدة.
قرشي محمد حسن
ـ كانت أغنية (اللقاء الأول) من نصوص هذا الشاعر المبدع هي من أولى بواكير مسيرة عثمان حسين الفنية في الإذاعة وظل التعاون بينهما في عدد من الأعمال.
صلاح أحمد محمد صالح
ـ من الشعراء الذين أسهموا في رسم ملامح مسيرته وبنائها.
إسماعيل حسن
ـ شاعر أسهم في تقديم نصوص راقية لعثمان حسين في مراحل مختلفة من مسيرته منها أغنية (حارمني ليه).
السر دوليب
ـ قدم عثمان بصوته روائع من قصائد هذا الشاعر المبدع وكانت من التحف في مكتبته الغنائية.
عوض أحمد الخليفة ومبارك حسن الخليفة
ـ صاحبا أغنية (يا ربيع الدنيا) الشهيرة التي غناها عثمان وظلت من أكثر أغنياته رسوخاً في الوجدان.
التجاني يوسف بشير
ـ غنى عثمان لهذا الشاعر الرفيع أغنية (محراب النيل) التي تعد من أرقى ما قُدم في تاريخ الأغنية السودانية.
أشهر أغنياته درر في سماء الفن
شجن (كلمات: حسين بازرعة)
ـ أغنية تعد من أيقونات الأغنية السودانية في القرن العشرين تحكي عن قلب يحب ويتألم دون أن يُقدر على الانفصال:
لي متين يلازمك في هواك مر الشجن ويطول بأيامك سهر ويطول عذاب يا قلبي لو كانت محبته بي التمن يكفيك هدرت عمر حرقت عليه شباب لكن هواه أكبر وما كان ليه تمن والحسرة ما بتنفع وما بجدي العتاب.
لا وحبك (كلمات: حسين بازرعة)
ـ أغنية أشبه بالقسم إذ يقول فيها القلب المحب بصوت عثمان (لن تكون أبداً نهاية) وكانت من أكثر أغنياته سكناً في أرواح محبيه.
محراب النيل (كلمات: للتجاني يوسف بشير)
ـ تعد هذه الأغنية تحفة موسيقية بامتياز استخدم فيها عثمان آلة القانون لتجسيد معنى انسياب مياه النيل فجاءت الزخارف والألوان الموسيقية بديعة وهي مكتوبة بالعربية الفصحى ولحنها عثمان بأسلوب يظهر قدرته الاستثنائية كملحن.
قصتنا (كلمات: حسين بازرعة)
ـ أغنية ذات مقدمة موسيقية طويلة ومبهجة تحتفي بالحب الصادق وتصف جمال العلاقة الإنسانية بأرق الكلمات.
الفراش الحائر
ـ وصفها الشاعر الكاتب السر قدور بأنها كانت (قنبلة لحنية) عند صدورها وتعد نقطة تحوّل حقيقية في تاريخ التلحين السوداني وقد شكلت مرحلة (ما بعد الحقيبة) في الأغنية السودانية.
مسامحك يا حبيبي
ـ أغنية تنضح بالصفح والمحبة الصادقة يقول فيها:
مسامحك يا حبيبي مهما قسيت عليّ قلبك عارفو أبيض وكلك حسن نية وما خطرت لقلبي سلوى تحيدو عنك.
بحبك (بحبك ما لا نهاية)
ـ أغنية من أبسط كلماتها وأعمق ألحانها:
بحبك.. بحبك.. ما لا نهاية وأغنيك حنيني.. شوقي وهوايا لأنك حبيبي.. وغاية رجايا.
يا ربيع الدنيا (كلمات: مبارك حسن الخليفة وعوض أحمد الخليفة)
ـ أغنية تحمل طاقة الأمل والفرح وتغنى بها الأجيال وكانت من أكثر أغنياته المحبّبة لشريحة الشباب.
أفديك بروحي أغنية الوطن
ـ غنى عثمان حسين للوطن كما غنى للحب وكانت أغنية (أفديك بروحي يا موطني) تعبيراً صادقاً عن علاقته بأرضه ولم يغادر السودان إلا في رحلات فنية لرفع اسم وطنه عالياً.
القبلة السكري / أنا والنجم والمسا / اللقاء الأول / حارم وصلي مالك من روائعه الأولى التي أسست لمدرسته الخاصة.
شهادات الكبار في حقه
ـ كانت شهادات عمالقة الفن والأدب السوداني في حق عثمان حسين متقاربة في روحها ومتلاقية في جوهرها
قال عنه البروفسور علي شمو وزير الثقافة والإعلام السابق (عثمان حسين يمثل نقطة تحول في تاريخ الأغنية السودانية وهو مدرسة قائمة بذاتها لا يشبهها أحد. متميز في أدائه وألحانه واختياره لأغنياته وهو ملحن من الطراز الممتاز وموسيقار متفرد.)
وقال عنه الراحل محمد وردي رائد الغناء السوداني (عثمان حسين هو رائد التجديد في موسيقى الأغنية السودانية وهو الذي بدأ التأليف الموسيقي وقدم أجمل الأغنيات منذ الأربعينات. كلنا تأثرنا بموسيقاه، وهو مدرسة فنية استثنائية تستحق أن تجري حولها الدراسات العلمية الجادة.)
وقال الشاعر السر قدور (عثمان كان صاحب ثورة رومانسية نقلت الغناء السوداني من مرحلة إلى مرحلة. كان له تأثير على الذين أتوا من بعده وعلى الذين عاصروه بل حتى على الذين سبقوه.)
وقال الفنان شرحبيل أحمد ( عثمان حسين رائد من رواد الموسيقى السودانية صاحب تجارب جميلة استفادت منها جميع الأجيال وامتاز بثنائيته مع الشاعر حسين بازرعة التي أفرزت أغنيات جميلة.)
صفات الإنسان قبل الفنان
ـ كان عثمان حسين في حياته الخاصة مرآة لفنه رقيقاً متواضعاً صادقاً وكان بشوشاً متواضعاً رغم شهرته وكان يصف نفسه في أغنياته كما كان يعيش محباً للوطن وفياً للعهد صابراً على الجفا وكان غيوراً على أعماله إلى أبعد حد يؤمن أن أغنياته لا يستطيع أن يوصلها أحد كما يوصلها هو بنفسه لأن الإحساس الذي يغني به لا يمكن تقليده حقاً.
كان أيضاً من مؤسسي اتحاد المهن الموسيقية في السودان وإلى جانب حياته الفنية الحافلة كان إنساناً عضوياً متصلاً بمجتمعه وأهله وجيرانه.
الرحيل الذي لم يكن نهاية
ـ في صباح السبت السابع من يونيو 2008 أسلم عثمان حسين روحه لبارئها بعد مرض أبى أن يُظهر عليه أثراً أمام محبيه كان يقول (بخير) دائماً ويبتسم وهو يعاني. شيّعته الخرطوم في موكب مهيب وذرف الفنانون والمثقفون والعامة دموعاً لم يخجل منها أحد.
لكن تلك المفارقة البديعة بقيت حاضرة أجساد الأهرام تزول والأهرام تبقى توقف قلبه في يونيو 2008 لكن أغنياته فتحت قلوباً جديدة في 2009 وما بعدها وستفتح في 2026 وما بعدها وإلى ما شاء الله من الأجيال.
الهرم الذي لا يهدم
ثمانية عشر عاماً كاملة على الرحيل ولا يزال عثمان حسين يعيش .. يعيش في كل مرة يُفتح فيها راديو في بيت سوداني وتتسرب أنغام (شجن) أو (محراب النيل) من بين الجدران أو ينساب صوت مسجل سيارة وهو يحمل (قصتنا) ويعيش في الطالبة التي يمتلئ هاتفها بأغنياته ولا تعرف صاحبها وفي الشيخ الذي يغني مقطعاً منها وهو لا يدري أنه يغني معجزة موسيقية ويعيش في الفنان الشاب الذي يسمع (الفراش الحائر) فيدرك أن ثمة شيئاً في الفن السوداني لن يُكرر ويعيش في الفنانين الشباب الذين يرددون أغنياته ويسترزقون منها.
كان عثمان حسين في حقيقته أعمق مما يُوصف وأرق مما يُحكى كان المعادل الموسيقي لروح السوداني في أجمل تجلياتها صبور على الجفا عاشق للجمال ومفتون بالكلمة وأمين للوجدان غنى للحب فأعطاه أبعاداً وطنية وغنى للوطن فأشعل فيه نار الوجدان العاطفي.
والحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان هي أن كل شعب يُعرَف بهراماته وهرم السودان في الغناء والموسيقى ليس حجارة ولا طين بل هو صوت وثمانية عشر ألف لحظة من الجمال تركها عثمان حسين محمد التوم هدية للأرواح إلى الأبد.
رحم الله الهرم الغني عثمان حسين رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجزاه خير الجزاء على ما أعطى وقدم وبذل من نفسه لأمته.









