بهدوء
علم الدين هاشم
كان من المفترض أن يكون افتتاح كأس العالم 2026 اليوم احتفالاً كروياً غير مسبوق، يجمع 48 منتخباً من مختلف قارات العالم في أكبر نسخة بتاريخ البطولة، ويؤكد أن كرة القدم ما تزال اللغة المشتركة التي توحد الشعوب وتتجاوز الحدود والأعراق والانتماءات السياسية .. لكن المؤشرات التي سبقت انطلاق المنافسات رسمت صورة مغايرة تماماً، وألقت بظلال قاتمة على بطولة يفترض أنها تمثل قيم العدالة والمساواة والانفتاح.
المؤسف أن المونديال سقط في مستنقع السياسة قبل أن تدور الكرة في الملعب، بعدما توالت الحوادث التي كشفت عن ممارسات تمييزية وعنصرية لا تليق بحدث رياضي عالمي يفترض أن يخضع لإشراف الاتحاد الدولي لكرة القدم. وكانت الواقعة الأبرز هي منع الحكم الصومالي من دخول الولايات المتحدة رغم حصوله على تأشيرة رسمية ومشاركته ضمن قائمة الحكام المعتمدين من قبل الفيفا لإدارة مباريات البطولة !
غير أن الصدمة الحقيقية لم تكن في تصرفات السلطات الأمريكية وحدها، بل في موقف الفيفا نفسه، الذي اختار الطريق الأسهل والأكثر ضعفاً، فسارع إلى استبعاد الحكم من قائمته بدلاً من الدفاع عن حقه المشروع في أداء مهمته الرسمية ..كان المنتظر من الاتحاد الدولي أن يتمسك بلوائحه وأن يستخدم ثقله ونفوذه لإلزام الدولة المستضيفة باحترام التزاماتها تجاه البطولة، لكنه فضل الانحناء للعاصفة والخضوع للقرارات السياسية !
ولم تكن هذه الحادثة معزولة عن غيرها، فقد سبقتها وتزامنت معها وقائع أخرى أثارت كثيراً من علامات الاستفهام، من احتجاز قائد المنتخب العراقي، إلى إجراءات التفتيش المهينة التي تعرضت لها بعثات أفريقية، فضلاً عن التوجيهات الخاصة التي فرضت على بعض المنتخبات بشأن تحركاتها وإقامتها ، وكلها مؤشرات تثير المخاوف من أن تكون المعايير المطبقة في هذا المونديال مختلفة من منتخب إلى آخر ومن جنسية إلى أخرى !
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تصرفات الأجهزة الأمنية الأمريكية فحسب، وإنما في صمت الفيفا وتخليه عن دوره الطبيعي كحامٍ للعبة ولمنسوبيها. فالاتحاد الذي لا يتردد في معاقبة الاتحادات الوطنية والأندية واللاعبين عند أصغر مخالفة، بدأ عاجزاً بصورة مدهشة عندما تعلق الأمر بحقوق حكام ولاعبين ومنتخبات يفترض أنه المسؤول الأول عن حمايتها.
لقد رفع الفيفا لعقود طويلة شعار “لا للعنصرية”، لكنه اليوم مطالب بأكثر من الشعارات واللافتات .. فالمواقف هي التي تمنح الشعارات قيمتها الحقيقية، أما الصمت أمام التمييز والخضوع للضغوط السياسية فلا يعني سوى شيء واحد: أن المبادئ التي يتغنى بها الاتحاد الدولي أصبحت قابلة للتفاوض عندما تتعارض مع مصالح أصحاب النفوذ.
وإذا استمر هذا النهج، فإن كأس العالم 2026 قد يُذكر في التاريخ ليس فقط كأكبر مونديال من حيث عدد المشاركين، بل أيضاً كأحد أكثر المونديالات إثارة للجدل بسبب عجز الفيفا عن حماية أبسط الحقوق التي يدّعي الدفاع عنها !









