بعد جدل القمة الأخيرة.. قراءة في سيرة أحد أبرز حكام السودان وأفريقيا


كاميرات التلفزيون تنصف نيالا وتحسم الجدل نهائياً
العلم والتحكيم.. وجهان في شخصيته .. وأكاديمي يقترب من الدكتوراه
من ملاعب السودان إلى نهائيات أفريقيا وكأس العالم للناشئين
الحكم الدولي المساعد .. مسيرة صنعتها الكفاءة والانضباط
عبدالمنعم هلال ـ آكشن سبورت
في عالم كرة القدم كثيراً ما يذهب اللاعبون والمدربون بالأضواء، بينما يبقى الحكام في الظل، فلا يُذكرون إلا عند الجدل. لكن هناك أسماء فرضت نفسها بالكفاءة والاجتهاد والانضباط، ومن بينها الحكم المساعد السوداني محمد عبد الله نيالا، الذي أصبح واحداً من أبرز سفراء التحكيم السوداني في المحافل القارية.
لم يصل محمد عبد الله نيالا إلى هذه المكانة صدفة أو مجاملة، وإنما عبر سنوات طويلة من العمل الجاد والتدرج الطبيعي في السلك التحكيمي، حتى أصبح اسماً معروفاً داخل السودان وخارجه. وقد نجح في إثبات قدراته الفنية والبدنية والذهنية لينال ثقة الاتحاد السوداني لكرة القدم أولاً، ثم ثقة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) لاحقاً.
من المحلية إلى القارية
بدأ محمد عبد الله نيالا رحلته في الملاعب السودانية، حيث شارك في إدارة العديد من المباريات بمختلف المسابقات المحلية، قبل أن يلفت الأنظار بتميزه في اتخاذ القرارات وسرعة التمركز والدقة في احتساب حالات التسلل.
ومع مرور السنوات أصبح ضمن النخبة التحكيمية السودانية، الأمر الذي فتح أمامه أبواب المشاركات الخارجية. ولم يتأخر الاتحاد الأفريقي في الاستفادة من إمكاناته، حيث تم اختياره ضمن أطقم تحكيم مباريات كبيرة في دوري أبطال أفريقيا وكأس الكونفدرالية والدوري الأفريقي، وهي بطولات لا يُسمح بالمشاركة فيها إلا للحكام الذين اجتازوا اختبارات فنية وبدنية صارمة.
ثقة كاف
من أهم المحطات في مسيرة محمد عبد الله نيالا اختياره ضمن طاقم إدارة مباراة إياب نصف نهائي دوري أبطال أفريقيا بين ماميلودي صن داونز والوداد المغربي، وهي مباراة من أكبر المباريات في القارة الأفريقية، وجاء اختياره تأكيداً للثقة الكبيرة التي يحظى بها التحكيم السوداني.
كما تم اختياره ضمن طواقم تحكيم نهائي دوري أبطال أفريقيا، إضافة إلى مشاركته في مباريات الدوري الأفريقي، وهي تكليفات لا يحصل عليها إلا الحكام الذين يثبتون جدارتهم في كل اختبار يخوضونه.
وشارك محمد عبد الله نيالا في أكثر من 124 مباراة دولية، وخمس بطولات لكأس الأمم الأفريقية، وثلاث بطولات سيكافا، وبطولة عربية واحدة، إلى جانب كأس العالم للناشئين بالبرازيل.
محطات بارزة
شارك نيالا في تحكيم مباريات الأولمبياد وكأس العالم للناشئين، وكأس الأمم الأفريقية 2017 و2019، وبطولات أمم أفريقيا للمحليين أعوام 2016 و2018 و2020، ونصف نهائي دوري أبطال أفريقيا، وكأس الاتحاد الأفريقي مرتين، والسوبر الأفريقي عام 2016.
ومن أصعب المباريات التي شارك فيها على الصعيد الأفريقي مواجهات الأهلي المصري وأسيك ميموزا العاجي، والوداد المغربي وصن داونز الجنوب أفريقي، وتي بي مازيمبي الكونغولي، إضافة إلى مباراة مازيمبي والنجم الساحلي في السوبر الأفريقي 2016.
وعلى مستوى المنتخبات، شارك في مباريات بارزة منها الكاميرون وغانا، وتونس والجزائر في الجابون، وهولندا والولايات المتحدة في كأس العالم للناشئين بالبرازيل عام 2019.
كما شارك في نهائي بطولة الأمم الأفريقية للمحليين بين الكونغو الديمقراطية ومالي، مع الحكم الجنوب أفريقي المعتزل دانيال بينيت، في رواندا عام 2016.
أمم أفريقيا
في كأس الأمم الأفريقية بالكاميرون 2021، ظهر نيالا مساعداً أولاً في مباريات غانا والجابون، والكاميرون وغامبيا، والسنغال وبوركينا فاسو، ومساعداً ثانياً في مباراة الكاميرون والرأس الأخضر.
كما عمل حكماً لتقنية الفيديو (VAR) في مباريات غينيا وزيمبابوي، وغامبيا وغينيا، والجزائر وغينيا الاستوائية، وعمل مع أربعة من حكام النخبة في أفريقيا، من بينهم الإثيوبي باملاك تيسيما والتونسي الصادق السالمي.
وعاد نيالا إلى الخرطوم بعد تحكيم مباراة نصف النهائي بين السنغال وبوركينا فاسو، قبل أن يغادر إلى المغرب ضمن طاقم تحكيم مباراة الرجاء المغربي وأمازولو الجنوب أفريقي في دوري الأبطال.
تحت الضغوط
عندما سُئل نيالا عن الضغوط في التحكيم الأفريقي، أكد أن هناك ضغوطاً تُمارس في بعض المباريات، لكنها لا تؤثر على الحكم المتمرس، نافياً تعرضه لأي تهديدات مباشرة.
وعن اتهامات التحيز للأندية، قال ضاحكاً إن الجمهور يتعامل بالعاطفة؛ فالفائزون يصفونك بأفضل حكم، والخاسرون يعتبرونك الأسوأ، مشيراً إلى أن هناك قلة واعية تمنح الحكم ما يستحقه من احترام وتقدير.
احترام واسع
يحظى نيالا باحترام كبير داخل الأوساط التحكيمية الأفريقية والدولية، ويتجلى ذلك في اختياره المتكرر لإدارة مباريات الأدوار الحاسمة والنهائيات القارية.
كما أن اختياره لتمثيل أفريقيا في كأس العالم للناشئين بالبرازيل وضعه ضمن أطقم تضم نخبة حكام القارة، فضلاً عن حضوره المتواصل في بطولات أمم أفريقيا أعوام 2017 و2019 و2021.
وقد أعرب نيالا عن قناعته بأن الحكم السوداني مظلوم مادياً، ولا يجد التقدير الذي يتناسب مع حجم الجهد الذي يبذله، داعياً الاتحادات الرياضية إلى مراعاة هذا الجانب.
القمة والجدل
في مباراة الهلال والمريخ الأخيرة، وجد محمد عبد الله نيالا نفسه في قلب العاصفة بعدما رفع رايته معلناً وجود حالة تسلل على مهاجم المريخ نيكولاس في إحدى اللقطات المثيرة للجدل.
وكما جرت العادة في مباريات القمة، انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، وشن بعض أنصار المريخ هجوماً عنيفاً عليه، محملين قراره مسؤولية ضياع فرصة مهمة لفريقهم.
لكن أهل الاختصاص يؤكدون أن قرارات التسلل من أصعب القرارات التحكيمية في كرة القدم، إذ تُتخذ خلال أجزاء من الثانية وتتطلب تمركزاً مثالياً وتركيزاً عالياً، وبالتالي فإن اختلاف الجماهير لا يعني بالضرورة أن الحكم أخطأ، بل يعكس طبيعة اللعبة وما يصاحبها من انفعالات وضغوط.
شهادة التلفزيون
في شهادة مهمة على صحة القرار، أعادت كاميرات برنامج «عالم الرياضة» بتلفزيون السودان عرض اللقطة المثيرة للجدل من عدة زوايا، وخلصت إلى صحة قرار الحكم المساعد محمد عبد الله نيالا باحتساب حالة التسلل على مهاجم المريخ نيكولاس.
وعدّ كثيرون ذلك تأكيداً إضافياً على سلامة القرار وإنصافاً للحكم الذي تعرض لانتقادات واسعة عقب المباراة.
خارج المستطيل
لا تقتصر مميزات محمد عبد الله نيالا على الجانب التحكيمي فقط، فهو محاضر في اللغة الإنجليزية ويعمل في المجال التربوي بمختلف مراحله، كما يشغل منصب رئيس قسم اللغة الإنجليزية بكلية كمبوني للعلوم والتكنولوجيا.
وكان على أعتاب إكمال درجة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية، ويُعرف بثقافته الواسعة ومستواه الأكاديمي المتميز، كما يجيد اللغة الإنجليزية إجادة كاملة بحكم تخصصه وعمله.
وقد انعكس هذا الجانب الأكاديمي على شخصيته داخل الملاعب وخارجها، حيث يتمتع بقدرة عالية على التواصل والانضباط والثقة بالنفس، ليقدم نموذجاً للكفاءات السودانية التي جمعت بين التفوق العلمي والنجاح المهني.
سفير السودان
في وقت تواجه فيه الكرة السودانية تحديات كبيرة، ظل محمد عبد الله نيالا وزملاؤه من الحكام الدوليين يمثلون وجهاً مشرفاً للسودان في المحافل الخارجية.
فالرجل لا يدافع عن اسمه فقط، بل يحمل معه سمعة التحكيم السوداني بأكمله، ولذلك فإن كل تكليف قاري جديد يناله يُعد شهادة نجاح للتحكيم السوداني قبل أن يكون إنجازاً شخصياً له.
سجل يتحدث
قد يختلف الناس حول قرار تحكيمي هنا أو هناك، وقد تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بعد كل مباراة كبيرة، لكن ما لا يختلف عليه المنصفون هو أن محمد عبد الله نيالا صنع اسمه بالاجتهاد والكفاءة والانضباط.
وسيظل الجدل جزءاً من كرة القدم، وستبقى الأخطاء – إن وجدت – جزءاً من اللعبة البشرية، لكن الأكيد أن الحكم الذي يصل إلى نصف نهائي ونهائي أكبر بطولات أفريقيا لا يصل إلى هناك بالمصادفة، وإنما بالخبرة والتميز والعمل المتواصل.
ولهذا فإن محمد عبد الله نيالا يستحق الاحترام والتقدير باعتباره واحداً من أبرز الحكام السودانيين الذين رفعوا راية الوطن عالياً في القارة الأفريقية، وقدموا نموذجاً مشرفاً للحكم السوداني القادر على المنافسة في أعلى المستويات.











