الفنان الشاب يروي تفاصيل مبادرته لمداواة آثار الحرب وإحياء قيم التعايش


الصمت لم يكن خياراً أمام ما خلفته الحرب من انقسام ومعاناة
الأغنية قادرة على صناعة وعي مجتمعي داعم للسلام
التنوع السوداني مصدر قوة إذا أحسنّا استثماره
السلام ليس شعاراً سياسياً بل ضرورة إنسانية ومجتمعية
حوار: العشاي إبراهيم ـ آكشن سبورت
من رحم المعاناة تولد المبادرات الكبيرة، ومن وسط الدمار الذي خلفته الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، برزت أصوات تنادي بالسلام وتعمل على ترسيخ قيم التعايش والمحبة بين أبناء الوطن. ومن بين هذه الأصوات الفنان الخطيب الشفيع، الذي لم يقف عند حدود التأثر الشخصي بالحرب وما خلفته من تشريد ونزوح، بل اختار أن يحول الفن إلى منصة للتوعية والدعوة إلى وقف الحرب وبناء السلام.
ويعمل الخطيب حالياً على مشروع فني متكامل يحمل اسم «بناء السلام»، يضم مجموعة من الأعمال الغنائية والتوعوية الهادفة إلى تعزيز ثقافة قبول الآخر ونبذ خطاب الكراهية وترميم النسيج الاجتماعي السوداني.
■ بدايةً، كيف أثرت الحرب التي اندلعت في السودان على حياتك الشخصية والفنية؟
مثل ملايين السودانيين، تأثرت بالحرب بصورة مباشرة. عشنا حالة من القلق والخوف وعدم الاستقرار، وشاهدنا أسرًا تفقد منازلها ومصادر رزقها وتغادر مناطقها بحثاً عن الأمان. هذه التجربة تركت أثراً عميقاً في نفسي، وجعلتني أفكر في الدور الذي يمكن أن أقدمه كفنان في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ بلادنا.
■ متى بدأت فكرة مشروع «بناء السلام»؟
الفكرة بدأت منذ الشهور الأولى للحرب. كنت أتابع حجم المعاناة والانقسام الذي أحدثته الحرب داخل المجتمع، وكنت أشاهد أيضاً تصاعد خطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي. وقتها شعرت أن الصمت ليس خياراً، وأن الفن يجب أن يكون جزءاً من الحل، فبدأت التفكير في مشروع متكامل يساهم في نشر ثقافة السلام.
■ لماذا اخترت اسم «بناء السلام» للمشروع؟
لأن السلام ليس مجرد شعار أو أمنية، بل عملية طويلة تحتاج إلى بناء حقيقي ومستمر. نحن لا نتحدث فقط عن وقف إطلاق النار، بل عن بناء الثقة بين الناس وإعادة اللحمة الاجتماعية وتعزيز قيم التعايش والتسامح. لذلك رأيت أن اسم «بناء السلام» يعبر عن الفكرة بشكل كامل.
■ ما الأهداف الرئيسية للمشروع؟
يهدف المشروع إلى نشر ثقافة السلام والتسامح، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز قبول الآخر، والاحتفاء بالتنوع الثقافي السوداني، إضافة إلى المساهمة في تضميد الجراح النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب. كما نسعى إلى توجيه رسالة إيجابية للشباب بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل إذا اجتمع السودانيون على كلمة سواء.
■ حدثنا عن أول أعمال المشروع «داعمين للسلام»؟
«داعمين للسلام» هو أول عمل رسمي ضمن المشروع، كتب كلماته الشاعر عمر كوستي ولحنه الفنان نادر آدم. الأغنية تحمل رسالة مباشرة تدعو إلى وقف الحرب والانحياز لخيار السلام، وتخاطب كل السودانيين دون استثناء، لأن الوطن يحتاج اليوم إلى الأصوات التي تجمع ولا تفرق.
■ وماذا عن العمل التوعوي «قالوا وقلنا»؟
هذا عمل مختلف في فكرته وأسلوبه، وهو عمل إرشادي وتوعوي من كلمات وألحان مصطفى دمبش. ويناقش بعض المفاهيم الخاطئة المنتشرة في المجتمع، ويرد على خطابات التحريض والكراهية برسائل تدعو إلى الحكمة والتسامح والتفكير في مصلحة الوطن.
■ هل تراهن فعلاً على قدرة الفن في إحداث تغيير اجتماعي؟
بالتأكيد. الفن كان دائماً جزءاً من التحولات الكبرى في المجتمعات، والأغنية تصل إلى الناس بسهولة، وتستطيع أن تؤثر في الوجدان أكثر من أي خطاب مباشر. نحن لا نزعم أن الفن وحده سيوقف الحرب، لكنه قادر على خلق وعي مجتمعي داعم للسلام.
■ السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق.. كيف يمكن استثمار هذا التنوع في صناعة السلام؟
التنوع السوداني ثروة حقيقية، لكنه يحتاج إلى إدارة صحيحة. عندما نحترم ثقافات بعضنا البعض ونحتفي بها، يصبح التنوع مصدر قوة ووحدة، ولكن عندما يتحول إلى أداة للإقصاء أو التمييز فإنه يصبح سبباً للصراعات. مشروعنا يسعى إلى إبراز جمال هذا التنوع وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل.
■ ما الدور الذي يجب أن يلعبه الفنانون السودانيون في هذه المرحلة؟
أرى أن المسؤولية كبيرة على الفنانين والمبدعين. نحن مطالبون بإنتاج أعمال تدعو إلى السلام والوحدة الوطنية، وأن نبتعد عن كل ما يغذي الانقسام أو يؤجج الصراعات. الفنان يمتلك تأثيراً واسعاً، ومن المهم أن يستخدم هذا التأثير في خدمة المجتمع.
■ من هم شركاؤك في هذه المبادرة؟
معي في هذا المشروع مجموعة مؤمنة بالفكرة والرسالة، على رأسهم مدير مكتبي الفني والإعلامي الأستاذ عامر الرشيد، والأستاذ بابكر، والمخرج خالد مصطفى، إلى جانب عدد من المتعاونين الذين يعملون خلف الكواليس لإنجاح المبادرة.
■ هل يقتصر المشروع على إنتاج الأغنيات فقط؟
لا، المشروع أوسع من ذلك. لدينا رؤية تشمل تنظيم فعاليات ولقاءات وأنشطة توعوية ومبادرات مجتمعية تستهدف مختلف الفئات، خاصة الشباب، لأن بناء السلام يحتاج إلى عمل متواصل ومشاركة واسعة من المجتمع.
■ ما أبرز التحديات التي تواجهكم؟
التحديات كثيرة، منها الظروف الاقتصادية الصعبة، وصعوبة الإنتاج الفني في ظل الأوضاع الحالية، بالإضافة إلى تحديات الوصول إلى الجمهور في مناطق مختلفة. لكن إيماننا برسالة المشروع يجعلنا نواصل العمل رغم كل العقبات.
■ ما الرسالة التي تود إيصالها للنازحين واللاجئين السودانيين؟
أقول لهم إننا نشعر بمعاناتهم ونتمنى لهم العودة الآمنة إلى ديارهم في أقرب وقت، والسودان لن ينهض إلا بعودة أبنائه واستقرارهم. رسالتنا الفنية موجهة لهم أيضاً لنقول إن الأمل ما زال موجوداً، وأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
■ كيف تتصور السودان بعد انتهاء الحرب؟
أتمنى أن أرى سوداناً متصالحاً مع نفسه، تسوده العدالة والسلام والمواطنة المتساوية، ويحترم تنوعه الثقافي والاجتماعي. أتمنى أن تتحول هذه المحنة إلى درس يدفعنا نحو بناء وطن أكثر قوة وتماسكاً.
■ كلمة أخيرة؟
أدعو كل السودانيين إلى التمسك بقيم المحبة والتسامح، وإلى نبذ خطاب الكراهية بكل أشكاله. الوطن أكبر من خلافاتنا، والسلام ليس خياراً سياسياً فقط، بل ضرورة إنسانية ومجتمعية. وأتمنى أن يساهم مشروع «بناء السلام» ولو بقدر بسيط في تقريب المسافات بين أبناء السودان وترميم ما أفسدته الحرب.











