هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ منذ أكثر من ثلاث سنوات ظل مجلس إدارة الهلال يحدث الجماهير عن (المشروع) و(البناء) و(الاستقرار الفني)، لكن عندما ننظر إلى الواقع نجد أن هذا المشروع ضاع بين قرار الاستغناء عن فلوران إيبينغي والتعاقد مع ريجيكامب، ثم رحيل الأخير بصورة مفاجئة إلى الترجي التونسي.
ـ لو كان هذا المشروع مشروع زراعة بصل، وخُصصت له كل هذه السنوات وكل هذا الصرف وكل هذه الاجتماعات والتصريحات، لكان قد أغرق أسواق السودان بالبصل من أقصاها إلى أقصاها.
ـ لماذا تم إعفاء فلوران؟ هذا هو السؤال الذي لم تجد جماهير الهلال إجابة واضحة عليه حتى اليوم.
ـ عندما قررت الإدارة إنهاء علاقة النادي بالمدرب الكونغولي فلوران إيبينغي، تحدثت عن (خوض تجربة تدريبية جديدة) والبناء على ما تحقق في عهد المدرب، لكنها لم تقدم للرأي العام أسباباً فنية واضحة ومقنعة توضح لماذا تم الاستغناء عن مدرب قاد الفريق لسنوات من الاستقرار الفني ووصل به إلى مراحل متقدمة قارياً.
ـ بيان الهلال وقتها تحدث عن الشكر والتقدير والتأسيس على المشروع الذي وضعه فلوران، لكنه لم يشرح أين أخفق الرجل حتى تتم إقالته، ولا ما هي الإضافات التي كان سيأتي بها البديل الجديد.
ـ مشروع فلوران ضاع قبل أن يكتمل.
ـ الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن فلوران ترك فريقاً مستقراً إلى حد كبير، كان يعرف اللاعبين ويعرف أفريقيا ويعرف ظروف الهلال الاستثنائية، ويملك شخصية قوية داخل غرفة الملابس، لكن الإدارة فضلت تغيير الاتجاه والذهاب نحو مشروع جديد بقيادة ريجيكامب.
ـ إذا كان فلوران غير مناسب، فلماذا تتحدثون عن البناء على مشروعه؟ وإذا كان مشروعه ناجحاً، فلماذا تم الاستغناء عنه؟
ـ المفارقة الأكبر أن الإدارة التي أنهت مشروع فلوران بحثاً عن الاستقرار، وجدت نفسها بعد أشهر قليلة أمام أزمة أكبر.
ـ بحسب الرواية الرسمية للهلال، تم الاتفاق مع ريجيكامب على مذكرة تفاهم، وتم إرسال العقد النهائي له، لكن المدرب سافر إلى تونس وبدأ التفاوض مع الترجي قبل أن يطالب بزيادة مالية جديدة، ثم تنتهي العلاقة بين الطرفين بصورة رسمية، كما أعلن الترجي تعاقده مع المدرب الروماني بعد ساعات من الحديث عن تمديد عقده مع الهلال.
ـ وهنا يظهر السؤال المشروع: كيف وصل الهلال إلى هذه المرحلة؟ وكيف يتحول مدرب كان يفترض أن يقود مشروع الموسم الجديد إلى مدرب لنادٍ آخر خلال أيام معدودة؟
ـ أين الشفافية يا مجلس الهلال؟
ـ المشكلة ليست في رحيل فلوران أو ريجيكامب وحدهما، المشكلة أن الجماهير دائماً تسمع نصف القصة.
ـ الإدارة لا تقدم الحقائق كاملة للرأي العام، ولا تعقد مؤتمرات صحفية كافية لتوضيح القرارات المصيرية، ولا تكشف تفاصيل الملفات التي تشغل جماهير النادي. وفي كل مرة يجد المشجع نفسه مضطراً للبحث عن أخبار الهلال في المواقع الأجنبية أو الإعلام التونسي أو الروماني أكثر من بحثه عنها في المنصات الرسمية للنادي.
ـ المشروع الحقيقي لا يرتبط باسم مدرب. المشروع الحقيقي تكون له أهداف واضحة وخطط معلنة ومعايير محددة للاستمرار والتقييم. أما عندما يتم تقديم فلوران باعتباره مشروعاً ثم يتم الاستغناء عنه، ثم يتم تقديم ريجيكامب باعتباره مشروعاً ثم يغادر فجأة، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل كان هناك مشروع من الأساس؟
أم أن الهلال ظل ينتقل من اجتهاد إلى اجتهاد، ومن قرار إلى قرار، دون رؤية طويلة المدى؟
ـ الهلال أكبر من فلوران، وأكبر من ريجيكامب، وأكبر من أي مجلس إدارة، لكن الأندية الكبيرة لا تعيش على الشعارات وحدها، بل تعيش على التخطيط والوضوح والمحاسبة.
ـ جماهير الهلال لا تريد بيانات مقتضبة بعد وقوع الأحداث، بل تريد معرفة لماذا رحل فلوران، وكيف انتهت قصة ريجيكامب، وما هو شكل المشروع القادم. فما حدث خلال العام الأخير لا يمكن اعتباره استقراراً فنياً، بل سلسلة من القرارات التي تحتاج إلى تفسير ومراجعة. والهلال الذي يطمح إلى قيادة أفريقيا لا بد أن يبدأ أولاً بقيادة ملفاته الداخلية بوضوح وشفافية أكبر.
ـ إذا كان المقصود من (المشروع) هو الفوز بالدوريات المحلية فقط، فهذا قد تحقق، فإن الهلال تُوج مع فلوران بالدوري الموريتاني خلال فترة الإقامة الخارجية، وواصل الفريق نجاحاته المحلية حتى توج بلقب الدوري الرواندي ودوري النخبة تحت قيادة ريجيكامب. أما إذا كان المشروع الحقيقي الذي ظلت الجماهير تنتظره هو اعتلاء منصة التتويج الأفريقية ورفع كأس دوري أبطال أفريقيا، فإن هذا الهدف ما زال بعيد المنال، بل يمكن القول إن المشروع تعثر عند أهم محطة فيه. فجماهير الهلال لا تقيس النجاح بعدد الألقاب المحلية وحدها، وإنما بقدرة الفريق على تجاوز الحواجز القارية والوصول إلى منصة التتويج الأفريقية التي ظلت الحلم الأكبر جيلاً بعد جيل.











