تباشير
د. وليد محجوب
كنت أنوي أن أخصص هذه الزاوية للحديث عن قضايا التعليم، لكن صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي غيرت وجهة المقال. كانت الصورة لمجموعة من السودانيين تُركوا في الصحراء على أحد مسارات الهجرة غير النظامية بين دول المغرب العربي وأوروبا. والأكثر فداحة أن بعض الجثث بدت عليها آثار انتزاع أعضاء بشرية، في مشهد يكشف حجم المأساة التي قد تنتهي إليها رحلات البحث عن الأمل.
لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل أصبحت واحدة من أخطر المآسي الإنسانية المعاصرة. فآلاف الشباب من السودان ودول إفريقية أخرى يغامرون سنوياً بعبور الصحارى والبحار هرباً من الفقر والحروب وانسداد الأفق، ليجد كثير منهم أنفسهم ضحايا لشبكات منظمة تتاجر بالبشر أو تستغلهم في أعمال قسرية أو تنتهي حياتهم في عرض البحر.
ورغم أن المهربين يمثلون الوجه الأكثر وضوحاً للمشكلة، فإن جذورها أعمق من ذلك بكثير. فالشاب الذي يبيع كل ما يملك ليبدأ رحلة مجهولة لا تدفعه المغامرة، وإنما تدفعه ظروف قاسية جعلت المستقبل في وطنه يبدو أكثر غموضاً من الطريق نفسه.
لذلك فإن مواجهة الظاهرة لا تتحقق عبر تشديد الرقابة على الحدود وحده، بل تبدأ بمعالجة أسبابها الحقيقية: استعادة الاستقرار، ووقف الحروب، وتوسيع فرص العمل والإنتاج، ودعم المشروعات الصغيرة، وإحياء التعليم الفني والتدريب المهني باعتبارهما من أهم أدوات توفير الدخل الكريم للشباب.
كما أن حملات التوعية باتت ضرورة ملحة لكشف حقيقة هذه الرحلات، بعيداً عن الصورة الوردية التي يروجها السماسرة. فالكثير من الشباب يسمعون عن الوصول، لكنهم لا يسمعون عن الذين ابتلعتهم الصحراء أو البحر أو عصابات الاتجار بالبشر.
إن أخطر ما تكشفه هذه المآسي ليس فقر المال، بل فقر الأمل. وحين يفقد الإنسان الأمل في وطنه، يصبح مستعداً للمقامرة بكل شيء، حتى حياته نفسها.











