الدكتور. عاجب الطيب عاجب
في كل مجتمع، توجد لحظات تتشقق فيها الصورة التي نرى بها بعضنا البعض. لحظات صغيرة، لكنها كفيلة بأن تفتح الباب لخطاب كراهية يتسلل بصمت، ثم يكبر حتى يصبح جداراً يفصل بين الناس.
ولعل أجمل ما يعبّر عن هذا المعنى قصة قديمة، لكنها تحمل حكمة لا تبلى.
في إحدى القرى، كانت هناك مرآة كبيرة معلّقة في الساحة العامة. كان الناس يمرون بها كل صباح، ينظرون إلى وجوههم، فيبتسمون لأنفسهم وللآخرين. كانت المرآة رمزاً للوضوح، وللصورة الكاملة التي يرى بها كل فرد نفسه والآخرين.
وفي يوم عاصف، سقطت المرآة وانكسرت إلى قطع صغيرة. لم ينتبه أحد في البداية، لكن شيئاً غريباً بدأ يحدث.
صار كل شخص يرى جزءاً من وجهه فقط، ويرى الآخرين مشوهين، ناقصين، مختلفين عنه.
تغيّرت النظرات… ثم تغيّرت الكلمات… ثم تغيّر السلوك.
انتشرت الشكوك، واشتعلت الشائعات، وبدأ خطاب الكراهية يتسلل إلى القلوب.
حتى جاء حكيم القرية ، جمع الناس حول قطع المرآة المبعثرة ، وقال لهم:
“حين كانت المرآة كاملة … رأيتم أنفسكم كاملين.
وحين انكسرت… رأيتم الآخرين ناقصين .
ليست المشكلة في الناس … بل في المرآة التي تنظرون بها.”
هذه القصة ليست عن مرآة زجاجية ، بل عن مرآة الوعي .
حين تتشقق قيمنا، أو تتكسر ثقتنا، أو تتناثر معلوماتنا بين الشائعات والتحيزات، نبدأ في رؤية الآخرين بصورة ناقصة.
فنظن أنهم مختلفون، أو أقل، أو لا يشبهوننا.
وهنا يبدأ خطاب الكراهية… لا من القلوب، بل من الصورة الناقصة التي نسمح لها أن تتشكل في عقولنا.
اليوم، نحن بحاجة إلى إعادة لصق المرآة.
إلى أن نرى بعضنا بصورة كاملة، لا مجتزأة.
إلى أن نفهم أن الاختلاف ليس تشوّهًا، وأن التنوع ليس تهديداً، وأن الإنسان لا يُقاس بقطعة، بل يُفهم بالصورة الكاملة.
إن مواجهة خطاب الكراهية لا تبدأ من المنابر، ولا من القوانين، ولا من الشعارات…
بل تبدأ من المرآة التي نحملها داخلنا .
من قدرتنا على رؤية الإنسان كما هو، لا كما تُصوّره لنا الشائعات أو الأحكام المسبقة.
فلنعد بناء مرآتنا…
ولنعد بناء إنسانيتنا معها.
أستاذ إدارة الأعمال المشارك – خبير التنمية البشرية











