تباشير
وليد محجوب
من أسمى مراقي الأمم الناهضة، وأعلى مناراتها في معارج الرقي، أن تُنزل الناسَ منازلَهم بِقَدَر، فلا يُصادر حقُّ عالمٍ تَوَقَّدَتْ ضياءً قناديلُ علمه، فأنارت العتمات؛ ولا يُغَضُّ من قدرِ مُربٍّ أفنَى عُمُرَه سيراً في دروب التربية بلا كلل أو ملل، يَبْذُرُ الحكمةَ في ثَرَى القلوب، ويسقي العقول من مَعِينِ القيم، حتى إذا أَيْنَعَ الثمر، فاح عِطرُه وغمر الأنفاس، وعَمَّ ضَوْءُه جوانب الطريق. فوجب لمثله أن تخلُد سيرته في ذاكرة الشعوب، وأن يبقى كَوَشْيِ النجوم في سماءَ صافية.
كيف لا وهو الذي يحمل المصباح في زمن العتمة، ويشق للناشئة طريق المعرفة وسط متاهات الجهل، وقد رفع الله قدره حين قال سبحانه: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، وجعل طلب العلم طريقاً إلى رضوانه، وجعل أهله ورثته في الأرض.
وليس التعليم صفحات تُحفظ، ولا درجات تُحصى، وإنما هو علاقة إنسانية راقية بين طالبٍ يتطلع إلى المستقبل، ومعلمٍ يحمل خبرة السنين. فإذا قامت هذه العلاقة على الاحترام والثقة والمحبة أثمرت علماً نافعاً وأخلاقاً مستقيمة، وأصبح الفصل الدراسي أشبه ببستانٍ تتفتح فيه المواهب، وتنمو فيه الأحلام، وتُصقل فيه الشخصيات.
غير أن بعض الطلاب ينظرون إلى معلميهم بعين الخصومة لا بعين التقدير، فتتسلل الجفوة إلى النفوس، وتضيع هيبة العلم بين المزاح الجارح أو السخرية أو التمرد غير المبرر. وعندها لا يخسر المعلم وحده، بل يخسر الطالب نفسه قبل غيره؛ لأن القلب إذا أغلق أبوابه أمام من يرشده، صار كأرضٍ أبت المطر فاستحالت قفراً لا يُنبت زرعاً ولا يُخرج ثمراً.
وفي المقابل، فإن المعلم الحكيم يدرك أن زمن الطلاب ليس كزمنه، وأن عقولهم تشكلت في عالمٍ تتدفق إليه المعلومات من كل صوب، فيعاملهم بالرفق ويخاطبهم بلغة العصر دون أن يتنازل عن ثوابت التربية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه”، فما دخل الرفق قاعة درس إلا جعلها أكثر قبولاً للعلم، وما غادرها إلا أورثها نفوراً وجفاء.
إن العلاقة الصحية بين الطالب ومعلمه لا تعني غياب النقد أو اختلاف الآراء، بل تعني أن يبقى الاحترام حاضراً مهما تباينت وجهات النظر. فالطالب الذي يتعلم كيف يناقش بأدب، ويعترض بأدب، ويستفسر بأدب، إنما يتدرب على مهارات الحياة قبل أن يتلقى دروس المناهج. كما أن المعلم الذي يستمع لطلابه ويحتوي تساؤلاتهم يزرع في نفوسهم الثقة والشجاعة الفكرية.
أما حين تنهار هذه العلاقة، فإن الخسائر تتجاوز أسوار المدرسة. فطالب لا يحترم معلمه قد يصعب عليه لاحقاً احترام صاحب الخبرة أو تقدير أصحاب الفضل. ومعلم فقد صلته بطلابه قد يعجز عن التأثير فيهم مهما بلغ علمه. وعندها يتحول التعليم إلى عملية جافة كأداء، تفوح منها رائحة الرَهَق، وتُنقل فيها المعلومات بلا روح، وتُمنح فيها الشهادات بلا أثر في المستقبل.
وقديماً قِيل: “من علمني حرفاً صرت له عبداً”، وإن كان في العبارة مبالغة يقصد بها التعظيم، فإن معناها يظل شاهداً على المكانة التي احتلها المعلم في وجدان الأمم. فحُسْن العلاقة بين الطالب ومعلمه ليس ترفاً تربوياً، بل ضرورة لبناء أجيالٍ تعرف قدر العلم وأهله، وتدرك أن الاحترام لا ينتقص من الكرامة، بل يرفعها.
فهل ندرك أن كلمة طَيِّبة من معلم قد تغيِّر مسار حياة طالب، وأن نظرة تقدير من طالب قد تكون أجمل مكافأة لمعلم؟ فبين المُعلم والمتعلم جسر لا يُبنى إلا بالمحبة والاحترام، عندها يستقيم الجسر لتعبر عليه المعرفة، وتزدهر النفوس، ويستقيم حال المجتمع.













