داخل السرب
أيمن مبارك أبوالحسن
تُعد النرويج واحدة من أكثر دول العالم تطوراً، إذ يتصدر هذا البلد مؤشرات الرفاهية وجودة الحياة، ويُضرب به المثل في الاستقرار والرخاء وحسن إدارة الثروة. غير أن النرويج قبل أن تبلغ هذا المستوى من الازدهار، كانت موطناً لأحد أكثر شعوب أوروبا والعالم إثارة للجدل، وهم الفايكنج، الذين اختلف المؤرخون في توصيفهم: هل أكانوا أصحاب حضارة، أم مجرد غزاة متعطشين للدماء؟
ويعتقد النرويجيون أن الفايكنج كانوا محاربين أشداء، وبحارة استثنائيين، ربطوا شمال أوروبا بجنوبها وشرقها بغربها، وبلغوا أراضي لم يكن الأوروبيون قد عرفوها من قبل، كما أسسوا مستوطنات ومراكز تجارية تركت بصمتها في تاريخ القارة الأوروبية. إلا أن هذه الجوانب طغت عليها صور نمطية رسمتها الأفلام والأعمال الدرامية، اختزلتهم في هيئة “محاربين برابرة متوحشين”، متجاهلة أبعاداً أخرى من إرثهم التاريخي كما يعتقد النرويجيون.
وخلال المباريات التي خاضها المنتخب النرويجي في كأس العالم الحالي، لفت انتباه المتابعين تشجيع الجماهير النرويجية وطقوسها الاحتفالية بعد نهاية المباريات، ولا سيما الرقصة التي كان اللاعبون يجسدون فيها حركة التجديف في قوارب الفايكنج القديمة على إيقاع طبل موحد. وسرعان ما تجاوزت هذه الاحتفالية حدود الملعب، لتتحول إلى “هوية” مميزة رافقت مباريات النرويج، ثم انتقلت من الملاعب إلى الساحات العامة ثم منصات التواصل الاجتماعي.
لقد غدت هذه الحركة أشبه ببصمة ثقافية للمنتخب… أو للدقة، للشعب النرويجي بأكمله، فالرموز في مثل هذه المناسبات تتحول إلى نافذة تطل منها الشعوب على العالم، وتعرّف من خلالها بتاريخها وثقافتها وملامح هويتها. ولا تكاد توجد مناسبة تضاهي كأس العالم في قدرتها على إيصال مثل هذه الدلالات إلى ملايين المتابعين.
في تقديري، أراد النرويجيون من خلال هذا المشهد إيصال أكثر من رسالة أهمها إعادة تقديم الصورة التي يعتقدونها ويؤمنون بها، والتي يرون أنها تعرضت للتشويه عبر العقود عن الفايكنج. فهم، في نظرهم، لم يكونوا غزاة، بل بحارة ومستكشفين، وأصحاب حضارة بحرية أسهمت في تطوير حركة التجارة واستكشاف العالم، كما امتلكوا معرفة متقدمة بفنون بناء السفن والملاحة مكنتهم من بلوغ بلاد جديدة مثل آيسلندا وجرينلاند، بل والوصول إلى سواحل أمريكا الشمالية قبل قرون. ومن هذا المنطلق، يرى النرويجيون أن اختزال الفايكنج في صورة الهمجية والوحشية لا يعكس حقيقتهم التاريخية.
ولذلك كانت حركة التجديف الاحتفالية استحضاراً لروح الإقدام، ومهارة الإبحار، والقدرة على ارتياد الآفاق البعيدة، وهي قيم يحرص النرويجيون على إبرازها باعتبارها جزءاً من هويتهم الحضارية.
وما يجدر ملاحظته هنا، أن الأمم تعتز بتاريخها وتسعى لتحسينه حتى لو انطوى على أحداث غير جيدة، بل تعيد تقديمه للعالم بصور زاهية. لقد اختار النرويجيون أن يحولوا رمزاً يعود لأكثر من ألف عام إلى مشهد احتفالي بسيط، لكنه بالغ الدلالة، استطاع أن يلفت انتباه ملايين المشاهدين، ويثير فضولهم للتعرف على قصة هذه الحركة، والسفن التي تجسدها، والتاريخ الذي تقف خلفه. وهكذا تحولت لحظات الاحتفال بعد الفوز إلى نافذة ثقافية عرفت العالم بجانب من الهوية النرويجية، من دون خطاب مباشر أو حملة إعلامية تقليدية.
قبل الخروج:
استدعاء الماضي والاعتزاز به لا يعني بالضرورة محاولة للهروب من واقع كئيب وآفاق مسدودة. فها هي النرويج، وهي صاحبة الحاضر المشرق وواحدة من أكثر دول العالم تقدماً ورفاهية، تستحضر إرثها بكل ثقة، لأنها تدرك أن الاعتزاز بالجذور لا يتعارض مع بناء المستقبل، وأن الأمة كلما اشتد عودها في الحاضر، ازدادت ثقةً في تاريخها، وحرصت على أن تحمله معها وهي تمضي إلى الغد.













