اللواء شرطة (م) دكتور/ دفع الله عوض الله الزين.
في استقرار أي مجتمع لابد من الأمن فالإنسان بطبعه في حِلّه وترحاله يفتش عن الطمأنينة قبل كل شيء. وقد اتفقت الشرائع والأنظمة على حفظ الكليات الخمس (النفس المال العرض الدين والعقل). قديماً كان الإنسان يحمي نفسه وممتلكاته بأقفال وأسوار ويشدد الحراسات عليها وينفق في سبيل ذلك أموالاً طائلة لحمايتها لكن الواقع اليوم تبدّل كلياً فالاعتداء لم يعد يحتاج إلى تسلق جدران أو تكسير أبواب بس يكفي اتصال بالإنترنت ووجود مرسل وشبكة فضاء ومستقبل ليُهدم كل ما بناه في لحظات خاطفة.
بعد الطفرة التقنية الهائلة وظهور الحواسيب والهواتف المحمولة تغيّرت الطريقة التقليدية لحفظ البيانات فاتجهت معظم الشركات والمؤسسات الحكومية والصحية وحتى الأفراد نحو استخدام الخوادم الرقمية والسحابية لحفظ المستندات والمعلومات. هذا التحول لم يقلل المخاطر الفيزيائية التي كانت تتعرض لها الأوراق والملفات فحسب انما سهّل الوصول إليها والتعامل معها في أسرع وقت وبأقل جهد وتكلفة مع إتاحتها على مدار الساعة للأشخاص المخوّل لهم فقط عبر مفاهيم برمجية وشفرات آلية. ومن هنا تحديداً تحوّل مفهوم الحماية المادية إلى ما يُعرف بـأمن المعلومات وهو العلم والمنظومة التي تبحث في توفير الحماية الشاملة للمعلومات من المخاطر التي تهددها.
ومن هذا التعريف يتضح لنا جلياً أنه لا يمكن القول بأن معلوماتنا في أمان إلا إذا توافرت فيها ثلاثة شروط أساسية يُعبر عنها بمثلث الأمن الرقمي (CIA Triad) وتبدأ بـ السرية (Confidentiality) التي تعني منع الاطلاع على البيانات إلا للأشخاص المصرح لهم تماماً مثل أسرار الحسابات في البنوك وتفاصيل السجل المدني وسجلات الأراضي وملفات المرور والتي يُعد كشفها لأي غريب أو التلاعب فيها انتهاكاً خطيراً للأمان القومي والخصوصية. ليتكامل ذلك مع شرط السلامة (Integrity) الذي يضمن حماية البيانات من أي تعديل أو تلاعب أو تزوير كما هو الحال في دقة الأرصدة والحسابات في البنوك التي لا تقبل زيادة أو نقصاناً غير مشروع وفي سجلات الأراضي والملكية التي يجب أن تظل دقيقة ومحصنة تماماً لمنع التلاعب بالأسماء . وصولاً إلى شرط التوافر (Availability) الذي يضمن استمرار عمل الأنظمة والبيانات دون انقطاع على مدار الساعة وهو ما نلمسه في الأنظمة البنكية وتطبيقات الصراف الآلي أو نظم الشرطة التي يُشترط بقاؤها متاحة دائماً لأن توقفها لدقائق وهو ما يُعرف عندنا بـ (الشبكة طاشة)قد يشل مصالح الناس الحيوية.
ومع انتشار استخدام الإنترنت والشبكات والاتصال الرقمي الذي ساهم في سهولة الوصول للمعلومات وتحريكها وتعديلها وفق ما هو مصرح به ظهر في المقابل سلوك إجرامي من نوع آخر (كالهكر والفيروسات)، وهو التعدي على هذه المعلومات بعد أن تحولت من وسيط مادي إلى وسيط إلكتروني وهو ما عُرف بـالجريمة الإلكترونية.
ومع تطور أدوات الاختراق برز مصطلح أوسع وهو (الجريمة السيبرانية)وكلمة سيبراني أصلها يوناني من لفظة “Cyber” التي ترتبط بالتحكم والتوجيه واستُخدمت لأول مرة تاريخياً في أربعينيات القرن الماضي ثم تطورت لتعبر اليوم عن كل ما يتعلق بالفضاء الرقمي والشبكات لتصبح الجريمة السيبرانية (Cyber Crime) هي كل فعل إجرامي يتم باستخدام شبكة الإنترنت أو يستهدفها مباشرة.
هذا السلوك الإجرامي تم تصنيفه عالمياً إلى طائفتين رئيسيتين تستوجبان التصدي والتحريم الأولى:جرائم تستهدف التقنية نفسها (كالفيروسات واختراق السيرفرات) والثانية جرائم تُستخدم فيها التقنية كوسيلة (كالاحتيال المالي والابتزاز والنشر الضار).
ونظراً لخطورة هذه الجرائم تضافرت الجهود الدولية عبر توقيع اتفاقيات عابرة للحدود لتوحيد الملاحقة القضائية وتكاملت معها الجهود المحلية بقيام الدول بسن تشريعات وطنية صارمة وقاطعة لضمان إنزال أشد العقوبات على المعتدين وحماية أمن المجتمع الرقمي.
لكن الجانب المرعب حقاً في الجريمة السيبرانية هو قرصنة العقول وهي استغلال العاطفة أو السذاجة أو الضعف البشري بالترغيب والتهديد لخدع الضحية والتي تشهد اليوم قفزة خطيرة مع الانتشار المتسارع لتقنيات التزييف العميق المدعومة بالذكاء الاصطناعي. هنا لا يكسر المخترق الأنظمة انما يستغل تلك الثغرات النفسية عبر تزييف مقاطع فيديو أو بصمات صوتية احترافية لأشخاص تثق بهم (كالتهديد بالفضيحة أو قفل الحساب والاستيلاء عليها أو انتحال صفة الأقارب) ليدفع الضحية بكامل إرادته لتسليم أسراره أو أمواله ليكون بسلوكه وتهاونه هو الجاني والمجني عليه في آن واحد.
ومن هنا يأتي دور الدولة الاستراتيجي كخط دفاع أول لبناء السيادة الرقمية عبر منظومة متكاملة ترتكز على إطلاق برامج التوعية الإعلامية المكثفة عبر القنوات والمنصات لفضح أساليب المخترقين للمواطن البسيط ودعم تعليم الأمن السيبراني بالجامعات مع توفير خبراء التحقيق الجنائي الرقمي لتعقب المجرمين وتأسيس مركز قومي للأمن وحاضنات لتطوير برمجيات محلية الصنع وصولاً لعقد الاتفاقيات الدولية لملاحقة الجناة العابرين للحدود.
أما أنت عزيزي القارئ الكريم فدرعك الأقوى هو (اللاءات السبع) للوقاية الرقميةلا تفتح رابطاً مجهولاً.ولا تشاركه مع غيرك. ولا تقبل صداقات غامضة.ولا تشغّل أكواداً مجهولة.ولا تكشف أرقامك السرية أو بياناتك لأي متصل حتى لو بدا صوته أو وجهه مألوفاً لك (تأكد دائماً عبر وسيلة أخرى لقطع الشك بالتزييف العميق).ولا تفتح مواقع مقرصنة.ولا تتسوق إلكترونياً إلا من منصات مضمونة.ولا تنسَ تحديث أنظمتك فوراً .وإذا وقعت في فخ الابتزاز اقطع التواصل تماماً وأبلغ الجهات الأمنية فوراً فالرضوخ يغذي جشع المجرم والقانون يحميك بسرية واحترافية تامة.
ختاماً يجب أن ندرك أن تطور وسائل الحماية يقابله دائماً تطور موازٍ في وسائل الإجرام والاختراق ومع وقوفنا اليوم على أعتاب ثورة ذكاء اصطناعي متسارعة يبقى من الصعب التنبؤ بمدى قدرتها على حماية بوابات الأمن السيبراني أو اختراقها كلياً مما يجعل وعيك الشخصي وحذرك الدائم هو خط الدفاع الحقيقي والأخير الذي لا يمكن اختراقه.













