ادريس يونس
في زمن الحروب لا يقتصر الدمار على الأرض والبيوت فقط، بل يمتد عميقًا إلى النفوس والعلاقات الاجتماعية، حيث تُعاد صياغة المجتمعات تحت ضغط الفقد والخوف وعدم اليقين. الحرب الدائرة اليوم في بلادنا لم تخلّف فقط قتلى وجرحى، بل أفرزت موجات واسعة من النازحين والنازحات، داخل السودان وخارجه، وألقت بظلالها الثقيلة على مجتمعات السودانيين في المهجر، وبالأخص في دول الخليج العربي.
النزوح القسري ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو اقتلاع من الجذور. آلاف الأسر وجدت نفسها فجأة بلا مأوى، بلا مصادر دخل، وبلا شبكات أمان اجتماعي. هذه الصدمة أنتجت أنماطًا جديدة من السلوك الاجتماعي، هشاشة نفسية، توتر دائم، إحساس بالتهديد، وشعور عميق بالظلم. النازح لا يحمل حقيبته فقط، بل يحمل ذاكرة مثقلة بالمشاهد القاسية والخسارات المتراكمة والانكسارات.
في مجتمعاتنا السودانية بدول الخليج على وجه الخصوص، حيث تقيم جاليات سودانية كبيرة، برزت ظاهرة اجتماعية معقدة. فقد تحولت بيوت المغتربين إلى محطات استقبال مؤقتة للنازحين من الأقارب والمعارف، بل وحتى الغرباء بدافع التضامن والتعاضد. هذا التعاطف الإنساني النبيل اصطدم بواقع اقتصادي ضاغط، فالمغترب نفسه يعيش التزامات قاسية: إيجارات مرتفعة، رسوم إقامة، مصاريف تعليم، وضغوط العمل.
مع تزايد أعداد النازحين، بدأت تظهر توترات مكتومة داخل الأسر والمجتمع الصغير، شعور بالعجز، إرهاق نفسي، وخوف من المستقبل. هنا تتجلى حالة “كظم الغيظ”؛ حيث يختار كثيرون الصمت، يكبتون ضيقهم حتى لا يُتهموا بالتقصير أو انعدام الإنسانية.
النساء النازحات يعانين بشكل مضاعف. فإلى جانب فقدان الأمان، يتحملن أعباء الرعاية الأسرية في بيئات جديدة غير مستقرة. في مجتمعات المهجر، تجد النازحة نفسها محاصرة بقيود قانونية واجتماعية، وبفرص عمل محدودة، ما يزيد من هشاشتها الاقتصادية والنفسية، ومع ذلك، نادرًا ما يُسمع صوتهن في النقاش العام، إذ يُتوقع منهن الصبر والتحمل بلا شكوى.
أفرزت الأزمة تحولات واضحة في منظومة القيم داخل مجتمعاتنا. من جهة، تعززت قيم التكافل والتراحم والعمل الطوعي، ومن جهة أخرى، ظهرت مشاعر سلبية مسكوت عنها: المقارنة، الإحساس بعدم العدالة، والخوف من استنزاف الموارد المحدودة. هذا التناقض يخلق حالة من التوتر الأخلاقي، حيث يتصارع الواجب الإنساني مع القدرة الواقعية.
إن كظم الغيظ، رغم ما يحمله من دلالة أخلاقية نبيلة، لا يمكن أن يكون حلًا دائمًا. فالصمت الطويل يولّد انفجارات نفسية واجتماعية صامتة. المطلوب هو مقاربة جماعية واعية، إننا نحث المختصون من أهل علم الاجتماع ان يشخصوا هذه الظواهر ويضعوا الحلول المناسبة لها.
إن النازحون والنازحات ليسوا عبئًا، بل ضحايا ظرف تاريخي قاسٍ. والمغتربون ليسوا مقصرين حين يعترفون بتعبهم. بين الطرفين مساحة إنسانية مشتركة، قوامها التعاطف الواعي لا التضحية العمياء، والتكافل المنظم لا كظم الغيظ الصامت. فالمجتمع الذي يتعلم كيف يتألم بوعي، هو الأقدر على الشفاء حين تضع الحرب أوزارها.













