هالة هلال
في بطولة كأس العالم، يُفترض أن تكون العدالة هي القاعدة؛ عدالة في قوانين اللعبة، وفي ظروف المنافسة، وحتى في طريقة تعامل الإعلام مع اللاعبين. لكن الواقع يكشف أحيانًا عن معايير مختلفة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتخبات قادمة من إفريقيا أو الشرق الأوسط، حيث تتقدم السياسة أحيانًا على كرة القدم.
أشار الإعلامي الجنوب أفريقي تريفور نواه إلى هذه المفارقة بوضوح عندما تساءل؛ لماذا يُطلب من لاعبين أفارقة أو من الشرق الأوسط الإجابة عن سياسات حكوماتهم، بينما يُترك لاعبون من دول غربية للحديث عن المباراة والخطة والأداء فقط؟ ليس السؤال هنا عن حق الصحافة في طرح الأسئلة السياسية، بل عن عدالة توزيعها على الجميع.
ورغم أن بعض المنتخبات الإفريقية واجهت هي الأخرى أسئلة تتجاوز كرة القدم، فإن المنتخب الإيراني كان الحالة الأكثر وضوحًا خلال البطولة.
فلم يواجه اللاعبون الإيرانيون فقط نقاشًا إعلاميًا مكثفًا حول قضايا لا يملكون قرارها، بل خاضوا البطولة في ظروف لوجستية استثنائية، في ظل ارتباط إسم بلادهم بشكل دائم بملفات سياسية حساسة في الإعلام الدولي، من بينها التوترات الإقليمية وقضايا الملاحة في منطقة مضيق هرمز، وهو ما انعكس أحيانًا على طبيعة الأسئلة التي وُجهت إليهم خارج نطاق اللعبة.
اضطر الفريق الإيراني إلى الإقامة في المكسيك والتنقل جوًا قبل المباريات بسبب قيود الدخول إلى الولايات المتحدة، وتأخر وصول عدد من أفراد الجهاز الفني والإداري نتيجة مشكلات التأشيرات، كما اشتكى اللاعبون والجهاز الفني من أن هذه الظروف حرمتهم من فترات الاستشفاء والإعداد التي تمتعت بها منتخبات أخرى.
أما عن المشهد الإعلامي، فاللاعب الإيراني كان يُسأل بإستمرار عن التوترات السياسية، وعن سياسات بلاده، بينما لم يكن اللاعب الأمريكي أو الأوروبي يواجه المستوى نفسه من الأسئلة المتعلقة بحكوماته أو بالسياسات الخارجية لبلاده. هنا المفارقة الحقيقية؛ إذا كان اللاعب مجرد ممثل لمنتخب وطني، فلماذا يتحول بعض اللاعبين إلى متحدثين بأسم دولهم، بينما يبقى آخرون مجرد لاعبي كرة قدم؟
ولا يعني ذلك أن الرياضة يمكن أن تُعزل تمامًا عن السياسة. فالأحداث الكبرى تنعكس دائمًا على الملاعب، لكن العدالة الإعلامية تقتضي أن تكون المعايير واحدة. فإذا أصبح من المشروع سؤال لاعب عن سياسات دولته، فينبغي أن يكون هذا المعيار مطبقًا على الجميع، لا على منتخبات بعينها.
ربما لن تستطيع كرة القدم أن تفصل نفسها عن السياسة، لكنها تستطيع أن تطالب بمعيار واحد. فاللاعب يدخل الملعب ليُمثل منتخبًا، لا ليؤدي دور وزير خارجية، والصافرة التي تعلن بداية المباراة يجب أن تعني، ولو لتسعين دقيقة، أن الجميع يقف على المسافة نفسها من اللعبة.













