تباشير
وليد محجوب
كانت الطائرة تتمايل وهي تستعد للهبوط في مطار الخرطوم كتمايل حسناء ترقص لحبيب ترجو وصاله، ها هي أنوار المدينة تلوح من خلال نافذة الطائرة فتحسست شارع بيتنا، وجدت كل الشوارع متآلفة رغم نُذُر التنازع بين عساكرها واختلاف نواطيرها وتبشم ثعالبها، فألقيت عليها تحيةً تتملكني هذه الأيام، “يا بلد أصبحت كيف؟”.
هاجت عبرتي فاسكنها التقاء إطارات الطائرة بأرض المطار كطبعي قبلةً على جبين أبي وأمي كلما عدت إلى بيتنا، ذلك ما يدعوني لحزم حقائبي كلما نادى المنادى أن حيَّ على المحبة بلا حساب بعد إنتهاء كل فصلٍ دراسي، كم أحب مهنة التعليم التي تجعلني أسامر والديَّ مراتٍ عديدة خلال إجازات ما بين الفصول الدراسية كل عام.
قالت لي أمي سأعطي شقةً في بيتنا لصديقك عمر حميدة حتى تجلس معنا أكثر ثم ضحكَت ضحكةً تضيء عمري، فهي تعرف أن خطاي لا تقودني إلا لأُناسٍ متفردون، وذلك العُمر حميدة يتصدرهم، تعرف أمي مدى استمتاعي بمسامرة العارفين حين قبَّلتُ يديها وحملت أشواقي ويممت شطر بيت عمر.
بعد كؤوس الشاي وقطع الحلوى التي تَبْرَعُ زوجته “نهى بت الرشيد” في صنعها ذهبنا إلى خيمة الصحفيين، كانت ترفل في ثوب قشيب، يزينها في كل ليلةٍ من ليالي رمضان حضورٌ أنيق ومتحدثون يُثيرون نقع الحديث الصريح والنقاش المثمر، هناك تلتقي بأناسٍ تحبهم، وحتى الذين لا تود لقاءهم تجد نفسك توادهم وتتبسط في الحديث معهم، فروح الخيمة غامرة، وروح رمضان آسرة.
ثم يسألوني لماذا تعشق هذا البلد؟ فدروب الدعة مبسوطة أمامك هناك في أقاصي الأرض، شمالها وغربها، حيث الحياة رغيدة ومصاعبها قليلة، فما الذي يدعوك للعودة إلى وطنٍ لا دواء لاعتلالاته المتعددة، وصيام اليوم فيه يعدل عشراً، أما انقطاع تيار الكهرباء فتلك قصةٌ بلا نهاية، أتراك تحب تعذيب ذاتك أم أدمنت شُرب الماء كدراً وطينا؟
بل أدمنت حب أهله وترحاب الجيران، أدمنت سؤال أهلي “أصبحت كيف؟” وسلام من يعرفني ومن لا يعرفني في طرقاته وحواريه، أدمنت سمك الموردة حين يلقاك وبقايا الروح فيه تراوح قِفاف البائعين، أدمنت فول السِلِيم ومشروب البزيانوس، وحديث ذلك الشيخ الوقور عقب صلاة الفجر في مسجد حيِّنا وسؤال المصلين عن أبي إن غاب يوماً، أدمنت دعاءهم للعاصين وجولات التواصل بين بيوت الحي تنسج إلفةً وإلاف، أدمنت ابتسامة “بت الشريف” سيدة بيتي، واجتماع إخوتي وأخواتي، وضحكات أمي وأبي وهي تزين جيد الحديث.
دعهم يسألوا وتكسوا وجوههم علامات التعجب، فكيف لمن لم يتذوق حلاوة طعم الحياة في السودان أن يفهم لماذا أعشق هذا الوطن.













