على حافة الضوء
د. عمار برهان
وأنا متوسدٌ همي ومستلقٍ على هذهِ التضاريسِ الاصطناعيةِ القاسيةِ في الأراضي الوعرةِ، وقد التفَّ حولي صمتٌ يشبهُ القيدَ، ما عادَ يهمني أي شيءٍ، ولا عادَ في الروحِ متسعٌ لدهشةٍ جديدةٍ أو رجاءٍ صغيرٍ. هنا، على حافةِ هذا الأسرِ الطويلِ، تنهزمُ معالمُ الحياةِ أمامي وتنزوي من حولي عمداً، كأنها تخجلُ من عجزها أو تخشى أن تشهدَ على انطفاءِ الإنسانِ حينَ يصيرُ منفاهُ وطناً مؤقتاً وتصيرُ ذاكرتهُ فراشاً من أشواكٍ حادةٍ، اللحظاتُ الكثيرةُ الهائمةُ تلفظُ أنفاسها الأخيرةَ على صدري، وأنا أفقدُ السيطرةَ على حواسي المترنحةِ، وأعجزُ عن رؤيةِ الأشياءِ في مواضعها الصحيحةِ، فكلُّ شيءٍ يختلطُ بكلِّ شيءٍ، والوجهُ يصيرُ ظلا، والطريقُ يصيرُ سؤالا، والزمنُ يصيرُ كائنا أعمى يجرني إلى جهةٍ لا أعرفها. الآنَ فقطُ أحنُّ إلى دياري الوارفةِ، تلكَ التي تتوارى خلفَ المسافاتِ البعيدةِ كما تتوارى الحكمةُ خلفَ الألمِ، وأشتاقُ إلى لقاءِ من رحلتُ مكرها عنهم وهم في رحابٍ أخرى بعيدةٍ عن هذا الأسرِ، في براحاتٍ وارفةٍ أكثرَ هدوءاً وتسامحاً وجمالاً، حيثُ لا يفتشُ المرءُ عن اسمهِ بينَ الحجارةِ، ولا يسألُ قلبهُ كلِّ صباحٍ عن سببٍ إضافي للبقاءِ.
ليست لدي فكرةٌ عما يجري في بلادي، ولا أرى مشاهدَ وطني السودانِ إلا عبرَ ما تبثهُ هذهِ الشاشاتُ التلفزيونيةُ اللعينةُ والمليئةُ بالضجرِ، فهي لا تبشرُ إلا بالمزيدِ من الإحباطِ واليأسِ، ولا تمنحُ العينَ إلا رمادا جديدا تذروهُ في فضاءِ الروحِ. أستمعُ للأقوالِ التي تخرجُ من أفواهِ الخطباءِ وهي تنفجرُ داويةً، فأخفي وجهي بيدي اتقاءً للشظايا، ثمَّ يتلاشى كلُّ شيءٍ بعدَ ذلكَ، لأنَّ الحكامَ لدينا بسحناتهم ذاتها، وبوجوههم السمراءِ وأبدانهم المترهلةِ يبرعونَ فقط في إطلاقِ أسرابٍ من الوعودِ الكاذبةِ، ثمَّ تتراجعُ خطواتهم المرتجفةُ عقبَ كلِّ خطابٍ، وتعودُ كلماتهم أدراجها إلى الوراءِ ليقوموا بابتلاعها في اليومِ التالي بلا حياءٍ. كأنهم يعملونَ على تشييدِ عالمٍ كبيرٍ من الكلماتِ الجوفاءِ، عالمٍ لا سقفَ لهُ غيرُ الخداعِ، ولا أبوابَ لهُ غيرُ التبريرِ، ولا مرايا فيهِ إلا تلكَ التي تكذبُ على الوجوهِ حتى تصدقَ عاهاتها. يستقلونَ قطارَ العمرِ الذي لا يعبرُ بهم الطريقَ وهو يحملُ أجسادهم كغرباءَ عن الوطنِ وحسبُ، لكنهُ يقلُّ أيضا نفوسهم المتباينةَ الملامحِ، والتي لا تشابهُ نقاءَ النيلِ وصفاءَ سريرتهِ، ولا تعرفُ من حكمةِ الماءِ غيرَ قدرتهِ على حملِ الطمي. خيالاتهم الداكنةُ تتراقصُ كنزواتهم، لا مباليةً بشيءٍ، وهي تنعكسُ كالحةً من على زجاجِ النوافذِ المعتمةِ، كأنَّ الظلامَ الذي في الداخلِ يبحثُ عن ظلامٍ يشبههُ في الخارجِ، الحالُ المكفهرُّ الذي لا يسرُّ وحدهُ يشهدُ على هذهِ الفوضى، وينبئنا بأنَّ الرجلَ الذي لا عقلَ لهُ أبداً، ولا يستطيعُ أن يسهمَ بأي فعلٍ إيجابي في بلادي، يحسنُ بالمقابلِ لفَّ العمامةِ البيضاءِ جيدا وبشكلٍ محكمٍ حولَ رأسهِ الفارغِ، كأنَّ البياضَ قادرٌ على سترِ خواءِ الفكرِ، أو كأنَّ القماشَ يستطيعُ أن يصنعَ للفراغِ هيبةً. وأنا في خضمِ هذا العبثِ تلجمني حيرتي، فلا أفهمُ كيفَ يمكنُ لوطني السودانِ النجاةُ من أحزانهِ، ولا أعرفُ من أكونُ حقيقةً في عالمٍ لا يحترمُ النوايا الطيبةَ، ولا يلتفتُ إلى طهارةِ القلبِ إلا لكي يطعنها من الخلفِ. يبدو أنَّ ما أسعى إليهِ في هذهِ الدنيا شيءٌ مستحيلٌ، لا تستوعبهُ حياتي القصيرةُ، ولا يمكنني توصيفهُ، لأنهُ أكبرُ من اللغةِ وأضيقُ من الصمتِ، لذا فالتفكيرُ فيهِ الآنَ أمرٌ غيرُ ضروري بالنسبةِ لي، وربما كانَ نوعا آخرَ من إرهاقِ الروحِ.
تطلعُ الشمسُ مرةً أخرى على تلكَ البقاعِ المتراميةِ في أحضانِ الأوديةِ البعيدةِ، تخرجُ من خلفِ ركامِ الظلامِ المنصهرِ لتطلَّ بوجهٍ ضاحكٍ على الأشجارِ وحقولِ البرسيمِ الخضراءِ، كأنها أمٌّ عائدةٌ من سفرٍ طويلٍ تحملُ في كفيها خبزَ الضوءِ وماءَ الطمأنينةِ. الندى البلوري يتحدرُ متقاطرا احتفاءً بمقدمِ الضياءِ البهيجِ، فيغسلُ جبهةَ الصباحِ، ويمسحُ عن العشبِ تعبَ الليلِ، ويتركُ على الورقِ وصيةً صغيرةً بأنَّ الجمالَ، مهما انكسرَ، يعرفُ طريقهُ إلى النهوضِ. الناسُ هناكَ يلتصقونَ بالأرضِ التي أنجبتهم من رحمها الطيني، وهم يعتاشونَ على ثديها الممتلئِ، وهي تمسحُ العرقَ من على وجوههم بكلِّ صبرٍ، وتطعمهم آمالها راضيةً، كأنها لا تعرفُ من الأمومةِ إلا البذلَ، ولا تعرفُ من الحزنِ إلا تحويلهُ إلى سنابلَ. في مثلِ هذهِ الأيامِ من فصلِ الشتاءِ تهبُّ الريحُ على قرى الشمالِ معاتبةً، وجريدُ النخلِ الذي يتقاربُ ليتصافحَ يصدرُ خشخشةً وهو يحتكُّ ببعضهِ في حميميةٍ، لينفضَ بقايا الغبارِ، ويفردَ ثيابهُ السعفيةَ في وجهِ الوجودِ بزهوٍ، كأنهُ شيخٌ قديمٌ يروي للحجارةِ سيرةَ الصبرِ، ويعلمُ العابرينَ أنَّ الانحناءَ أمامَ الريحِ ليسَ هزيمةً دائما، بل قد يكونُ حكمةَ البقاءِ. تركضُ الجداولُ بالمياهِ، وبعضُ الرمالِ البيضاءِ ترسبُ نفسها في القيعانِ وهي ممتنةٌ، لأنَّ القرارَ أحيانا ليسَ سقوطا، بل استراحةُ ذرةٍ عثرت على موضعها الأخيرِ. وعندَ أطرافِ القرى بعضُ الجبالِ القريبةِ من البيوتِ تعصبُ رؤوسها بالدخانِ، كأنها تتداوى من وحشةِ الأزمنةِ، أو ترفعُ بخورا خفيا لسماءٍ أنهكتها الأدعيةُ. على هذهِ الأرضِ تتنفسُ الحياةُ بعمقٍ، وتدفنُ بصرها في تعددِ الألوانِ الجماليةِ من حولها، مثلَ تعددِ الصيغِ الكثيرةِ للحقيقةِ الواحدةِ، فالحقيقةُ ليست حجرا صامتا، بل نهرٌ يتغيرُ شكلهُ ولا يخونُ جوهرهُ.
آهٍ عليكَ يا وطني، يا ندبةً في القلبِ لا تلتئمُ، ويا اسما كبيرا كلما نطقتهُ ازدادَ في فمي طعمُ الترابِ والمطرِ، أحتسي الحزنَ المريرَ وأرددُ خلفَ وردي عبارةَ الرجاءِ المكسورِ: (لو بإيدي)، ثمَّ أتركُ بقيةَ النشيدِ تسري في داخلي كدعاءٍ لا يملكُ إلا أن يضيءَ عجزهُ. أتمنى لو كنتُ أحسنُ شيئا آخرَ غيرَ هذا الشوقِ الذي ينبضُ بينَ أنفاسي، لكنني رغمَ كلِّ هذا الحزنِ الذي يكبلُ أوصالي أقومُ برحلاتي السريةِ لاستكشافِ ذاتكَ، أغوصُ في باطنِ روحكَ مستجديا، ثمَّ أطفو على السطحِ خاويَ الوفاضِ، وكأنَّ الوطنَ بحرٌ لا يعطي أسرارهُ لمن جاءهُ بقلبٍ واجفٍ أو كأنَّ المحبةَ نفسها اختبارٌ طويلٌ لا ينجو منهُ إلا من خسرَ بعضهُ وبقيَ واقفاً رغم المآسي، أمارسُ موهبتي المقيتةَ بعدَ ذلكَ وأنامُ غائراً في جراحي كلِّ ليلةٍ، تنتابني الأحلامُ السيئةُ ثمَّ تمتزجُ بالحقائقِ الآسنةِ وهي تسري، حتى لا أعودُ أعرفُ أينَ يبدأُ الكابوسُ وأينَ تنتهي اليقظةُ، ليسَ بمقدوري انتقاءُ طقوسٍ جنائزيةٍ تليقُ بموتِ الأفكارِ، لكنني قد أفعلُ مثلما تفعلُ بعضُ قبائلِ أفريقيا حينَ يحملونَ الميتَ على قاربٍ وهو مقيدٌ، ثمَّ يلقونهُ في النهرِ كي يغرقَ فينتهي الحزنُ عليهِ إلى الأبدِ، ولا يقضونَ بقيةَ حياتهم بينَ أسوارِ الحدادِ عليهِ. غيرَ أن موتَ الفكرةِ ليسَ كموتِ الجسدِ، فالفكرةُ إذا دفنتها عادت في هيئةِ سؤالٍ، وإذا ألقيتها في النهرِ صارت موجةً، وإذا أنكرتها خرجت من رمادها شاهدةً عليكَ. أعلمُ أنني قطعتُ على نفسي وعدا صادقا لكَ، لكنني لن أستطيعَ الوفاءَ بهِ، لأنَّ الأرواحَ لا تبقى حبيسةً بينَ جدرانِ هذهِ الأجسادِ إلى الأبدِ، فهي حتما ستغادرها ذاتَ يومٍ، وربما حينَ تغادرُ لا تحملُ معها سوى ما أحبتهُ بصدقٍ، ولا تتركُ خلفها إلا أثرَ النداءِ في أرضٍ ما زالت تبكي وتنتظرُ من يمسحُ دمعتها بيدٍ واثقةٍ لا ترتجفُ.













