داخل السرب
أيمن مبارك أبوالحسن
شأني شأن أي مواطن في المهجر، أتردد بين الحين والآخر على سفارة بلدي -سفارة السودان بالرياض- لإنجاز بعض المطلوبات والإجراءات “الهجرية” الضرورية، والتي غالباً تتعلق بتجديد جواز سفر يخصني أو يخص أحد أفراد أسرتي. غير أن هذه الزيارات تظل محدودة، إذ لا أكاد أقصد السفارة أكثر من مرتين كل خمس سنوات. وعلى ندرة هذه الزيارات، كنت ألحظ في كل مرة ما يطرأ على السفارة من تغيرات.
وقد زرتها بالأمس، فرأيت عن قرب مقدار التقدم الملحوظ في منظومة العمل، والتنظيم الواضح الذي طال مرافق السفارة التي تُعد الأكبر على مستوى العالم. وذلك أمر طبيعي، فالجالية السودانية في المملكة العربية السعودية جالية كبيرة يُقدَّر عددها بنحو 800 ألف. وإذا أخذنا في الاعتبار الإخوة النازحين الذين وفدوا إلى المملكة بعد الحرب، فإن العدد سيزيد كثيرا عن هذا الرقم.
وللجالية السودانية في المملكة خصوصيتها، فالسودانيون المقيمون هنا هم في واقع الأمر مهاجرون أكثر منهم مغتربين، بحكم السنوات الطويلة التي يقضونها في المملكة، ولذلك تزداد حاجتهم إلى السفارة التي تضطلع بكل ما يتصل بشؤون مواطنيها، بدءاً من شهادة الميلاد وانتهاءً بشهادة الوفاة، مروراً بالجوازات والشهادات وتوثيق المستندات واستخراج التوكيلات وغيرها من المعاملات. ومن الطبيعي أن احتياجات بهذا الحجم، لجالية بهذا العدد، تتطلب منظومة عمل كبيرة ومتماسكة.
ذهبت إلى السفارة لإنجاز معاملة تخصني، ومنذ اللحظة الأولى لدخولي إليها لمست التغيير الكبير الذي شهدته بنية السفارة، والتقسيمات الجديدة التي طالت المرافق المختلفة، حتى ظننت أنني أخطأت المكان الذي ألفته في سنوات خلت، ثم تذكرت تلك الأيام حينما كان مجرد التفكير في إنهاء معاملة بالسفارة يدفعني إلى الحصول على إجازة رسمية من عملي، لأن أي إجراء، مهما بدا بسيطاً، كان يستهلك يوماً كاملاً أو بعض يوم. كنت أذهب في الصباح الباكر جداً، وما إن أصل حتى أجدني في صفوف طويلة. صف أول لمقابلة موظف لم أستوعب طبيعة دوره حتى اليوم، إذ كان يكتفي بالنظر في الأوراق والتأكد من اكتمالها ثم يضع تأشيرته عليها.
وبعد أن يتفضل الموظف ويمنحك تأشيرته، تنتقل إلى صف آخر أطول منه لتسديد الرسوم. فإذا فرغت من ذلك، اتجهت إلى الصف الثالث الخاص بأصل المعاملة المطلوبة. فإن كان المطلوب إصدار جواز جديد أو تجديد جواز، يُستلم منك الجواز القديم أولاً، ثم يُطلب منك الانتظار، انتظاراً قد يمتد حتى نهاية يوم العمل.
تنتظر… وتنتظر… تدرك صلاة الظهر والعصر، ثم تسمع اسمك يُنادى بعد صلاة العصر، فيغشاك شعور بالانتصار، ممزوج بالفرح والنشوة. ثم تدخل إلى مكتب صغير به كراسي محدودة يجلس عليها عدد من المراجعين ينتظرون، فتنتظر معهم، لكن هذه المرة لا يطول الانتظار. يستقبلك الضابط، وتكمل الإجراء، ثم تستلم مستنداً عليه إفادة بأن الجواز الجديد سيكون جاهزاً بعد ثلاثة أسابيع أو شهر.
هنا تكون قد انتهيت. تخرج من السفارة وتستنشق الهواء بعمق بعد ساعات طويلة قضيتها داخل الصالة الصغيرة المكتظة بالناس، وحينها يكون الوقت قد اقترب من المغيب. تغادر وأنت سعيد، لكن تلك السعادة سرعان ما تتبدد حين تتذكر أنك ستعود إلى السفارة بعد ثلاثة أسابيع، وأنك ستضطر إلى الاستئذان من العمل لتقضي بعض يوم في انتظار الجواز… هذا إن كنت محظوظاً ووصل الجواز في موعده المضروب، فغالباً تصل في الموعد وتكتشف أن: الجواز (لسه ما وصل)، وفي هذه الحالة عليك أن تتدبر العودة للسفارة مرة ثالثة.
ذلك كان – دون أدنى مبالغة – واقع السفارة قبل بضع سنوات.
أما بالأمس، حين زرتها ألفيتها على صورة مختلفة تماماً عما عهدناه. إجراءات سهلة، وتنظيم لافت، ونافذة أو نافذتان تنهي عبرهما معاملتك في وقت وجيز، ثم تعود إلى عملك دون حاجة إلى إجازة أو حتى استئذان. لم تعد تلك الرحلة المرهقة التي تبدأ مع الصباح ولا تنتهي إلا عند المغيب، بل أصبحت أي معاملة تُنجز بسرعة ويسر.
والأهم من ذلك، التحول الذي بدا جلياً في طريقة التعامل. وجوه بشوشة تستقبلك، وموظفون يبادرون بالمساعدة والإرشاد، ويجيبون عن استفساراتك برحابة صدر. لم تعد تشعر أنك مجرد رقم في صف طويل، بل مراجع يجد من يصغي إليه ويوجهه ويحرص على أن ينجز معاملته بأيسر السبل، وتلك مسألة غاية في الضرورة والأهمية.
هذا التطور يستحق الإشادة والثناء. فمن السهل أن ننتقد، لكن من الإنصاف أيضاً أن نتوقف عند مواطن النجاح عندما نراها ونلمسها بأعيننا. وما رأيته لم يكن مجرد تحسينات محدودة، بل بدا وكأنه ثمرة عمل منظم وتطويراً حقيقياً وشاملاً في بيئة العمل أثمرت عن جودة الخدمة المقدمة للمراجعين.
لطاقم السفارة كل الشكر والتقدير. فقد نجحوا في تحويل تجربة كانت، بالنسبة لكثيرين، مرادفة للتعب والمشقة والانتظار الطويل، إلى تجربة “إنسانية” سلسة تحترم وقت المراجعين وتفهم احتياجاتهم.
ويبدو أن الجيل الحالي قد فهم واستوعب جيداً أن جوهر النجاح في مثل هذه الأعمال، أن يحظى المراجع بتجربة جيدة ويغادر وهو راضٍ تمام الرضاء، وفخور بسفارته.













