فتحي الجعلي
هزني مقطع متداول في وسائل التواصل الاجتماعي لرجل سعودي عفا عن قاتل ابنه، بل زار أهل القاتل في منزلهم وأعلن العفو، وسط لحظات مؤثرة من البكاء والنحيب، وتقبيل رأس الرجل وقدميه من أسرة القاتل.
فتذكرت المرحوم عبدالله بلال البطحاني، أيقونة الكرم والشهامة والنخوة.
وكان محدثي الأخ عمر شنقول، الذي لازم عبدالله في حياته، وهو شاهد عصر على هذه القصة.
يروي أن عبدالله بلال، من منطقة المايقوما بشرق النيل بالحاج يوسف، كان ابنه عثمان قد تنبأ بموته قبل يوم من الحادث. فقد كان يستعد للسفر إلى موريتانيا، فداعبه أحدهم قائلاً: “وين سفرك يا عثمان؟“، فأجاب: “بكرة يا سافرت موريتانيا، يا سافرت ود دهشة“، وهي المقبرة بالحاج يوسف.
وفي عصر اليوم التالي جاء النبأ الحزين، إذ قُتل عثمان في مشاجرة.
وعندما أُبلغ والده بالخبر، كان ثابتاً لم يتجزع، وهي من صفات الفرسان في الصبر على أشد المصائب والابتلاءات. جلس تلك الليلة يستقبل المعزين، وفي صباح اليوم التالي طلب من أسرته وقبيلته إعداد فطور بكميات كبيرة، وحمله في صندوق سيارته (البوكس)، واتجه إلى قسم شرطة حلة كوكو، حيث كان الجاني موقوفاً.
أنزل الفطور، ودعا رئيس القسم وأفراد الشرطة والحاضرين إليه، فوقف الجميع في دهشة؛ كيف لرجل دُفن ابنه بالأمس مقتولاً أن يأتي مبتسماً حاملاً الطعام؟
وضع الفطور على الطاولة وقال: “نادوا لي الزول الكتل عثمان ولدي.”
ازدادت دهشة الجميع، وتوجسوا خيفة، لكنه طمأنهم قائلاً إنه يريد أن يعفو عن قاتل ابنه.
أُحضر الجاني وهو يبكي، فقال له عبدالله: “يا ولدي، والله لو كنت حاضراً لما وصلت إلى هنا، لكنت عفوت عنك وسفرتك إلى أهلك. أشهدوا يا جماعة أني عفوت عن هذا الجاني لوجه الله، ولا أريد إلا الأجر من الله عز وجل. وأطلقوا سراحه يا مدير.”
ثم قال للجاني: “تعال يا ابني.”
وعندما اقترب، طلب عبدالله إحضار طعامه من السيارة، ودعا رئيس القسم إلى مشاركته والجاني الطعام. وهنا خشي البعض أن يكون الطعام مسموماً، لكن عبدالله بدد تلك المخاوف عندما خلط الطعام بيده، وبدأ يأكل منه أولاً ليطمئن الجميع.
عندها بكى رجال الشرطة وكل من حضر ذلك المشهد المؤثر والعجيب.
عرفت قبيلة البطاحين بالكرم الحاتمي، لكن عبدالله بلال كان يمثل قمة الكرم، وسيظل اسمه أيقونة للشهامة والنخوة والكرم في السودان كله.
كان عبدالله بلال من أكرم أهل السودان، فما من فرح أو مناسبة أو كُرْهة إلا وامتدت يداه بكل ما يلزمها من الذبائح ومستلزمات الضيافة. وكان متواضعاً، زاهداً، يعمل بيديه، ويشارك في إعداد الطعام بنفسه منذ أيام شبابه.
ومن القصص التي رواها لي من أثق به، أن أحد كبار المسؤولين في الدولة زاره في منزله، وبعد أن أكرمه وأحسن ضيافته، قال له عند الوداع:
“يا شيخ عبدالله، عندي هدية أرجو أن تقبلها مني، وهي سيارة لاندكروزر موديل السنة، وهذا مفتاحها، والسيارة بالخارج.”
فاستلم عبدالله المفتاح وقال له:
“قبلتها… وأهديتك إياها.”
ثم أعاد إليه المفتاح.
تخيلوا هذا الزاهد العابد!
وقد أكد لي هذه القصة صديق مقرب منه كان حاضراً تلك اللحظة.
رحم الله عبدالله بلال، أسطورة الشهامة والنخوة والكرم.
كان رجلاً قليل الكلام، عظيم المعاني.
الزول الكريم لا بنضام ولا بنذم
الدنيا أم قدود… سافهها ما شال هم
عطاه باليمين… والشمال لا تعلم
كرمك فاق على حاتم… وأنت تعفو عن الدم.













