على حافة الضوء
د. عمار برهان
حين يذكر الأدب الروائي في العالم يحضر تشارلز ديكنز واحدا من الأسماء التي صنعت للرواية الحديثة ضميرا يقظا وقلبا واسعا، ولد تشارلز جون هوفام ديكنز في إنجلترا عام 1812م، ورحل عام 1870م، وبين هذين التاريخين نسج حياة حافلة بالكتابة والتأمل والمكابدة والسعي إلى إنصاف الإنسان البسيط، وقد ارتبط اسمه بمرحلة العهد الفيكتوري ارتباطا عميقا إذ جعل من المدينة الإنجليزية بشوارعها المزدحمة ومصانعها الصاخبة وأحيائها الفقيرة مسرحا عريضا تتجلى فيه أحلام البشر وانكساراتهم.
نشأ ديكنز في ظروف قاسية فذاق في طفولته مرارة الحاجة، وعرف مبكرا معنى المسؤولية حين اضطر إلى مغادرة المدرسة النظامية والعمل في أشغال يومية تسند أسرته الكبيرة. كانت أسرته تضم ثمانية أبناء إلى جانب الأب والأم، وقد أقامت في أحد أحياء لندن الفقيرة حيث تضيق البيوت على أهلها ويتقاسم الناس ضنك العيش وصخب الشوارع، وحين سجن والده بسبب الديون ازداد العبء على قلب الطفل، ووجد نفسه أمام عالم خشن يطلب من الصغير جهد الكبير ويمنحه أجورا زهيدة وذكريات جارحة وأليمة.
هذه التجربة المبكرة تركت أثرها العميق في روحه، ثم ظهرت في أعماله الأدبية ظهورا شديد الوضوح، لذلك كان يكتب عن الفقر كمن يصف جرحا يعرف موضعه، ويصور العمل الشاق قليل الأجر بعين من عاش تلك الساعات الطويلة بين الروائح الكريهة والأيدي المتعبة، ولهذا امتلأت رواياته بحس إنساني مرهف، وبدت أحزان شخصياته قريبة من القلب لأن الكاتب حمل في ذاكرته مادة الألم قبل أن يحمل أدوات الفن.
امتلك ديكنز قدرة فريدة على تحويل الوقائع المرة إلى حكايات نابضة بالحياة، كان يلتقط التفاصيل الصغيرة كما يلتقط الرسام خطا من الضوء فوق جدار عتيق؛ حركة يد، ونبرة صوت، وانكسار نظرة، وضجيج شارع، وارتباك طفل يبحث عن مأمن، ومن هذه التفاصيل صنع عالمه الروائي الذي يجمع بين السخرية والرحمة، وبين حرارة العاطفة ودقة الملاحظة، وقد اشتهر بقول يضيء طبيعة اندفاعه نحو الكتابة: (أنا أكتب لأنني أعجز عن التوقف).
ومن أبرز ما يميز تجربته أنه نشر كثيرا من رواياته على هيئة حلقات متتابعة في الصحف والمجلات، كان القارئ ينتظر الحلقة التالية بشغف ويتابع مصائر الأبطال كأنه يرافقهم في الطريق، وقد منحت هذه الطريقة ديكنز صلة مباشرة بجمهوره ورسخت حضوره الشعبي في زمن كانت فيه الصحافة نافذة الناس الكبرى على المعرفة والمتعة، كما ساعده النشر المتسلسل على إتقان التشويق وبناء المفاجأة وإبقاء الحكاية مشدودة إلى آخر خيط من خيوطها.
عمل ديكنز في مطلع حياته الصحفية مراسلا ومحررا فاكتسب عينا مدربة على ملاحقة الأحداث والوجوه والأمكنة، ومن رحم هذه الخبرة خرجت شخصياته الشهيرة تحمل غرابة محببة وصدقا نفسيا. نجد في «أوليفر تويست» صورة البراءة المحاصرة بالجوع والجريمة، وفي «ديفيد كوبرفيلد» صدى الطفولة المجروحة والطموح الصاعد، وفي «سكروج» مثال القلب القاسي حين تلمسه الصحوة الأخلاقية، وقد استطاع ديكنز أن يمنح هذه الشخصيات حياة أطول من حياة أصحابها في الورق، فصارت أسماء يضرب بها القارئ الأمثال على الطمع، والبراءة، والحلم، والخذلان.
وفي لغته الروائية تتجاور المفارقة والشفقة، وتتعانق الابتسامة مع الغصة في إيقاع واحد، كان يدرك أن الحكاية القوية تصل إلى الضمير عبر المتعة قبل الموعظة، فصاغ نقده الاجتماعي داخل مشاهد حية وشخصيات آسرة ومواقف ساخرة، ولهذا استقبله جمهور القراء بوصفه حكاء قريبا من نبض الشارع، واستقبله الدارسون بوصفه فنانا بارعا في البناء والحوار وتوليد التوتر ورسم المصائر الإنسانية.
وقد كان ديكنز ناشطا مؤثرا في مجال الإصلاح الاجتماعي، فأدبه حمل رسالة أخلاقية واضحة، حيث رأى أن التشوهات التي تصنعها القسوة والجهل واستبداد المؤسسات قابلة للعلاج متى نهض المجتمع بمسؤوليته، ومن أجل ذلك هاجم بجرأة دور العمل القاسية، وانتقد البيروقراطية التي تسحق الفرد، ودافع عن التعليم والرعاية الصحية والمؤسسات الخيرية التي تخفف وطأة الحياة على الفقراء، وكان يؤمن بأن الإصلاح يبدأ من يقظة الضمير، ثم يمتد إلى القانون والبيت والمدرسة والشارع.
وامتدت عنايته بالناس إلى خارج الصفحات، فقد دعم مؤسسات خيرية وجمعيات صحية تسعى إلى تخفيف وطأة العيش عن الطبقات الفقيرة، وكان يرى أن المجتمع حين يمنح الطفل تعليما كريما، والمريض رعاية صالحة، والعامل حقا واضحا، يفتح أمام الإصلاح طريقا عمليا. ومن هنا اتخذ أدبه صورة النداء الهادئ حينا، وصورة الاحتجاج الساخر حينا آخر، وجعل من الرواية مساحة للوعي والتغيير، وهكذا أصبح القلم عنده أداة للجمال والرحمة معا، ووسيلة لمساءلة الواقع من داخل الفن بأسلوب يلامس القارئ ويستنهض ضميره في الوقت نفسه.
وحظي ديكنز بمكانة ثقافية رفيعة، وانتسب إلى الجمعية الملكية للفنون، وشارك في الحياة العامة كصوت يجمع بين الإبداع والمسؤولية، وكانت قراءاته العامة مناسبات أدبية واجتماعية ينتظرها الجمهور، إذ كان يقف أمام المستمعين فيبعث شخصياته من جديد بصوته ونبراته وإشاراته حتى تتحول القراءة إلى عرض نابض بالحياة، وبفضل هذا الحضور ظل قريبا من جمهور واسع رأى في أعماله مرآة صادقة لحياته اليومية ومواجعه وآماله.
يتبع…













