تباشير
د. وليد محجوب
في لحظة تاريخية، سجّل لامين يامال هدفه الأول في كأس العالم، لكنّ الأجمل كان ما تلاه: سجوده لله، لامست جبهته أرض الملعب في سكينة رفرفت حول من آمن بالله الواحد الأحد وأزعجت أرواحاً قلقة، رفرفت روحه في سماء الشكر في أكبر محافل العالم الكروية.
لم تكن تلك الحادثة مجرد احتفالية كروية، بل مشهداً روحانياً فتح أبواباً من التساؤلات في قلوب غير المسلمين، وأثار نقاشاً تجاوز حدود المستطيل الأخضر.
لم يمرّ مشهد سجود يامال مرور الكرام على مراقبيه من غير المسلمين. انقسمت النظرات بين من رأى في الفعل رمزاً للإخلاص، ومن اعتبره تجسيداً للحرية الدينية. في منشورات دولية، وصفت وسائل إعلام غربية سجود يامال بأنه “لحظة ثقافية” و”إعلان هوية” من شاب يجمع في عروقه دماء المغرب وغينيا الاستوائية، ويمثل إسبانيا بكل فخر .
فقد رأى البعض في سجوده عقب إول أهدافه في تاريخ رحلته مع كأس العالم إشارة إلى عمق المعنى الروحي وراء الحركة الجسدية لصبي كانت كل أنظار العالم مسلطة على مغامراته الغرامية.
ولم تقتصر القراءات الإيجابية على الإعجاب العابر، بل تعدتها إلى تأمل في دلالات الفعل. فكما يرفع المسيحيون نظراتهم ويشيرون بأصابعهم نحو السماء، أو يرسمون إشارة الصليب، كان سجود يامال تعبيراً مماثلاً عن الصلة بالخالق . طرح المدافعون عنه سؤالاً منطقياً: “كيف يختلف السجود عن رسم إشارة الصليب الذي يؤديه عشرات اللاعبين المسيحيين بعد كل هدف؟” هذا السؤال يفتح نافذة على واقع شائك خلقه المهاجرون إلى الغرب الذي انقسم بين مُتقَبِّل لثقافاتهم ورافض لها، بل يراها مهدداً وجودياً لثقافتهم.
انطلاقاً من زاوية الرفض الصريح، علت الأصوات الناقدة بحدة، ورأت في السجود خروجاً عن الهوية الإسبانية المسيحية. لكن المفارقة أن هذا الجدل نفسه أثار اهتمام الكثيرين بمعرفة المزيد عن الإسلام، وجعل السجود محطة تأمل لمن يبحثون عن معنى أعمق في عالم يموج بالصخب، ويفتقد لروحانية منشودة، ويتقلبون فيها بين تجربة أديان الشرق والتأمل تارة وبين اللجوء إلى نوازع صوفية في دينهم لا تشفي الغليل.
فمن منظور رحلة البحث عن الروحانيات، يمثل سجود يامال نموذجاً للشاب الذي لا يخفي إيمانه، بل يجعله جزءاً من نجاحاته وانتصاراته. هو لم يسجد استعراضاً، بل سجد شكراً وتواضعاً، في مشهد يذكر بأخلاق الأنبياء الذين كانوا يسجدون لله في كل مناسبة . هذا الثبات على المبدأ، رغم الانتقادات اللاذعة، قد يلهم باحثاً عن الروحانيات فيرى في السجود رمزاً للاتزان والارتباط بقوة عليا، بعيداً عن تعقيدات الحياة العصرية. وهو ما يُخيف المتوجسين من هيمنة إسلامية على الغرب يرونها قريبة إن لم يتصدوا لها بحزم.
لابد لنا من الوقوف أمام فعل عادي في الشرق غريب في الغرب. سيظل سجود لامين يامال لبعض الوقت أكثر من مجرد احتفال رياضي. إنه مرآة تعكس صراع الهويات في عالم متعدد الثقافات، ودعوة مفتوحة للتسامح واحترام التنوع. قد يكون هذا المشهد بداية طريق للباحثين عن الروحانيات، و تأكيد على أن الحقيقة قد تظهر في أكثر الأماكن غير المتوقعة، كملعب كرة قدم، حيث يجتمع الملايين لمشاهدة المباريات في الملاعب ومن خلف الشاشات، وهنا يبرز سؤال: هل يغير من يرى سجود لاعب يراه العالم مشروع أسطورة لزمانه نظرته إلى الحياة والإيمان بالخالق؟ أم يبقى مجرد تعبير عن فرحة يثير غضب الآخرين.













