بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
ولمّا أن استقر بي الحال في قريتي بعد أن اطمأننت إلى بداية تعافي وطني الكبير (السودان)، وذلك من خلال جولتي في الخرطوم والريف الشمالي وبعض الولايات، مرددًا قول شوقي:
ويا وطني لقيتك بعد يأس..
كأني قد لقيت بك الشبابا
أخذت أعتاد أجواء “البلد” في هذا الوقت من العام، بين الصيف والخريف، وهي أجواء لم أشهدها منذ عشرين عامًا تقريبًا. هذه هي عينة “التريا” حيث السموم التي تسفع الوجوه والجلود، وتيبس الحلوق عطشا. وبدأت ألمس جراح القرية والمنطقة كلها، والتي سببها المتمردون والمرتزقة و”الشفشافة” ثم زادها “الأقربون” وجعًا. مصداقا لقول المتنبي:
كلما أنبت الزمان قناةً
ركّب المرء في القناة سنانا
سادتي: كانت منطقة قري آمنة مطمئنة محتمية بجبالها شمالها ونيلها غربها لسنوات خلت إلى أن جاءها شارع التحدي ومصفاة البترول، وأحسب أن من اختاروا موقعها في قري “دون القِبل الأربعة” تخوّفوا بدءًا من أن يعترضهم أهل المنطقة الذين تشرّبوا الوطنية منذ السلطنة الزرقاء، حيث كانت قري عاصمة لنصفها الشمالي، لكن ذلك لم يحدث، وأنشأت الحكومة وقتها المصفاة جوار قرية “ود الإمام” في مقدمة قري الشرقية، ثم أغراهم سكوت أهل المنطقة ووطنيتهم و”طيبتهم” فأنشؤوا التصنيع الحربي داخل جبال قري.
والواقع أن المنطقة أمِلت خيرًا في الطريق، حيث إن معظم القرى الرابضة بجواره استفادت منه تجاريًا، وكذا المنطقة، فرويدًا رويدًا نشأ سوق غرب شارع التحدي قريبًا من المصفاة. ثم إن المنطقة زاد أملها في أن يعمل بنوها في المصفاة فتزداد دخلًا بعد ضنت الأراضي الزراعية الضيقة بالموارد، لكن، ولنبدأ بالمصفاة، فقد أدارت ظهرها لسكان المنطقة، ولم تر قري الـ2 % من عائدات المصفاة، والتي أقرها الدستور لها مثلها مثل المناطق حول المنشآت الإنتاجية، بل إن المصفاة استجلبت موظفيها وعمالها من خارج المنطقة التي تزخر بالخريجين في مختلف التخصصات، والذين “سدت” الحسرة حلوقهم وهم يرون “تراحيل” المصفاة تحمل الموظفين صباحًا إلى داخل المصفاة وعصرًا إلى الخرطوم، عندها حمل شباب المنطقة قطعًا بالية من بقايا ملابس على أكتافهم واشتغلوا “عتّالة” في السوق الحرة، وهم يشكون أمراضًا جلبتها “دخاخين” المصفاة ومياهها الراجعة إلى النهر! وأصبحت المنطقة بأكملها ينطبق عليها المثل: “كماسك البقرة من قرنيها وآخر يحلبها”! واستمر الحال كما هو إلى أن نشبت الحرب ودمّرت المصفاة.
أما السوق الذي نشأ على طريق التحدي غرب المصفاة فقد تعطل بسبب الحرب، ثم بعد تحرير المصفاة أزالته الحكومة كليّةً بجرة قلم، بحجة أنه يشكل خطورة أمنية على المصفاة، ونقل بعض المرجفين التهديد بالإزالة بذات الحجة إلى القرى المجاورة، خاصة ود الإمام.
وهذا المنطق الأعرج يسهل دحضه دون كثير عناء:
فهل هذه المنطقة بقراها المتعددة نشأت بعد قيام المصفاة التي لم يتعد عمرها ثلاثين عاما، أم قبله؟ الإجابة إن عمر هذه المنطقة وقراها يمتد لأكثر من 600 عام!
لماذا تُمنع منطقة قري من الاستفادة من الطريق الذي قامت على جانبيه أسواق في كل القرى والمدن التي يمر بها؟ الإجابة: لا يوجد سبب واحد يمنع ذلك!
هل أتى أي تهديد للمصفاة من قبل قُرى منطقة قري وأهلها منذ عام 1997م، عام إنشاء المصفاة؟ الإجابة: كلا وحاشا!
من أين أتى التهديد إذن؟
التهديد ـ يا سادتي ـ أتى للمنطقة وأهلها الذين يفتك بهم السرطان وأمراض الحساسية من قبل المصفاة نفسها والتصنيع الحربي الذي لوّعت تفجيراته أطفال قري!
والتهديد أتى كذلك للمصفاة ـ والمنطقة كلها ـ من مسؤولي الحكومة آنذاك، الذين وهبوا أراضي المنطقة ومعسكراتها ـ دون حسٍ أمني ـ لمن شرّد أهل قري فيما بعد، وقتلهم في معتقلاته، وأحرق المصفاة ودمر السودان!
إن منطقة قري المهضومة حقوقها ما زالت تشرب مياه النيل الملوثة مباشرة دون تنقية، وتعاني حمى الضنك والملاريا وشظف العيش، وتواجه سموم “التريا” نهارًا وقطوعات الكهرباء صباح مساء!
وإن منطقة قري بتضحياتها الجسام، وشهدائها الذين ارتقوا إلى الأعالي ويرتقون الآن في معركة الكرامة لم تكن لتشكل تهديدًا للمصفاة ذات يوم، وهي أولى أن تُراعى ولا تظلم وتهضم حقوقها جراء من يظنون أنهم ينصحون مسؤولي الدولة وقادتها وهم في الواقع يعملون لغرس إسفين بين أهل المنطقة والجهات الرسمية!.













