صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
▪️نعم.. إنها الحقيقة.. فبعض المعتقدات الاجتماعية قد تصلح محليًا، لكنها قد لا تناسب كل الأمكنة.
▪️يقولون في الأثر: إن القانون لا يحمي المغفلين، وقد نتغافل عن بعض الأمور أحيانًا، وخاصة نحن القادمون من قعاقير أفريقيا إلى بلاد العم سام.
▪️كل يوم هناك قضية مستجدة، وكل واقعة صغيرة قد تقودك إلى متاهة قانونية لم تخطر لك على بال.
▪️في هذه البلاد المعقدة، تتناسل القوانين كما تتناسل الحكايات، ولكل داء دواء، ولكل تصرف بريء مادة قانونية قد تجرّك من أذنيك إلى ما وراء القضبان.
▪️بجهلي وتخلفي الجميل، كدت ذات يوم أن أدخل السجن الأمريكي لأول مرة، لا لأنني سرقت أو اعتديت أو ارتكبت منكرًا يعاقب عليه القانون.
▪️بل لأنني حاولت، بشهامة سودانية حمقاء، أن أنصر امرأة بيضاء استجارت بي من قوانين بلادها العجيبة.
▪️كنت لا أعلم من القصة إلا ظاهرها، ولا أفهم من المشهد إلا دموع الاستغاثة ونبرة الرجاء.
▪️كانت السيدة (زبونتي) في التاكسي، أوصلتها إلى موقف عام حيث كانت سيارتها متوقفة، وعندما همّت بالنزول، التفتت إليّ بوجه مرتبك وصوت متوسل، وطلبت مني المساعدة.
▪️كان في صوتها شيء من التوسل الذي لامس نياط قلبي، فأيقظ في داخلي السوداني القديم، ذلك الكائن المتخم بالفزعة والنخوة والشهامة، حتى ولو كانت شهامة عمياء تقوده إلى المصيبة وهو يبتسم.
▪️سبقتني السيدة إلى سيارتها، وفتحت الباب الأمامي حيث مقود السيارة، وأشارت إليّ أن أقترب. حسبت في البداية أن الأمر يتعلق بخلل إلكتروني أو ميكانيكي ألمّ بسيارتها.
▪️بالرغم من أنني لا أملك خبرة فنية كافية للتصدي لأي عطل فني، إلا أن (سودانيتي) دفعتني لأن أقبل التحدي، وأزعم في داخلي أنني (مقددها)، وأنني سأخرج من هذا الموقف بطلاً من أبطال النجدة العابرة للقارات.
▪️لكن طلبها كان غريبًا جدًا، إذ أخرجت من تحت المقود خرطوشًا بلاستيكيًا ملحقًا بجهاز يشبه الهاتف الجوال، عليه شاشة إلكترونية صغيرة، وكان الجهاز مثبتًا بوصلة كهربائية قرب مكان المفتاح.
▪️وسرعان ما طلبت مني المرأة، بتوسل شديد، أن أساعدها، وحين سألتها: ماذا أفعل بالضبط؟ قالت ببساطة:
انفخ هنا… نفختين قويتين فقط.
▪️ارتبت جدًا لهذا الطلب السهل الذي لا رهق فيه، فالنفخ لا يحتاج إلى عضلات مفتولة، عدا أوداج قوية، وأنا لها، ولا إلى عبقرية أو حنكة، ولا إلى شهادة جامعية، ولا حتى إلى خبرة في ميكانيكا السيارات.
▪️كان في استطاعتها أن تفعل ذلك بنفسها. حاولت أن أفهم، لكنها زادت في التوسل، وحاولت هي بنفسها أن تنفخ مرات ومرات، لكن دون جدوى، ثم توقفت ونظرت إليّ بعينين فيهما من الرجاء ما يكفي لإسقاط آخر حصون الحذر في قلبي السوداني.
▪️هنا لعنت إبليسي السوداني، الذي كاد أن يجردني من نخوتي وشهامتي المتخلفة، وقلت في نفسي: أأرفض لهذه المرأة طلبًا بسيطًا كهذا؟ إنها مجرد نفخة! وهل ستنتقص من نفخاتي شيئًا؟ وأنا ابن أمة عظيمة في النفخ، أمة (نحن ونحن ونحن ونحن)، ونحن في الشدة بأس يتجلى، بل نحن أمة لا ينافسها أحد في النفخ والنفخة والنفاخ.
▪️تقدمت إليها منفوخًا، لا لأصلح عطلاً، بل لأمنحها ما نملكه بكفاءة تاريخية… النفخ السوداني العظيم.
▪️بالفعل، أمسكت الخرطوم (الخرطوش)، ونفخت نفختين سودانيتين قويتين خرجتا من أعماق التراث والحنجرة والكبرياء الوطني.
▪️بعدهما مباشرة سمعت أصواتًا تصدر من الجهاز، ثم حدثت المفاجأة… بدأ محرك السيارة في العمل، كأنما أدرت المفتاح.
▪️هنا هللت السيدة أمام حضرة (النفاخ الأعظم)، وكادت أن تقبلني من فرط الفرح، لولا أنها أدركت أن الأمر لا يحتاج إلى كل هذا الانبهال أمام هذا الغبي النفاخ العابر للقارات.
▪️ثم انطلقت بسيارتها، ورسمت ابتسامة نصر على ثغرها الكرزي، ورمقتني بنظرة أحسست بعدها أنني ربما بطل أتم الإنجاز بنجاح، رغم أنني لم أفهم العملية.
… يتبع













