الطاهر يونس
وإلى حين اختلال إيقاع الحياة بفعل هذه الحرب الوجودية، كنت أحرص على تمضية عطلة الجمعة والأعياد تحت ظلال الليحان ومجالس الذكر في مسيد جدي الشيخ أحمد ود يونس بأم دقرسي. كانت هذه اللحظات فرصة للتحلل والتخفف من مشاغل الدنيا وشواغلها، وعودة طوعية إلى الجذور، ففي كل جزء من هذا المسجد العتيق حكاية، ولكل ذرة تراب قصة تداهمك ذكراها، ليس على سبيل المؤانسة واستدعاء الذكريات، ولكن لما تشكله من قيمة كبيرة في إعادة التوازن النفسي والشعور بالسلام الداخلي، في وجدان ممتلئ بعشق مقاوم لكل تواريخ انتهاء الصلاحية.
لهذا المكان خصوصيته الفريدة، فرائحة وعبق التاريخ الناطق يجعلانك تعيش في كبسولة زمن تخلّق بداخلها هذا التاريخ الباذخ، وهذا الإرث المصنوع بتمهل على أيدي الجيل الأول من الأجداد، أحفاد إسماعيل ود جابر، سبط الشيخ غلام الله بن عايد الركابي، والذين ما إن أقاموا، بعد ظعن، في هذا المكان حتى أشعلوا نار القرآن، واستقبلوا طالبي العلم، شأنهم في ذلك شأن الكثير من مشايخ الجزيرة الذين تربطهم جميعًا وشائج قربى ودين.
غير بعيد من أسوار المسيد، فحياة الناس ضاجة بالوصال الاجتماعي، قربى أو مصاهرة، وتنتظم أيامهم في حركة دؤوبة لكسب أرزاقهم، فتتوالى وتتناسل القصص والمحكيات، متبوعة بمزاج الأنس القروي، بنكهته وسردياته المترعة بالخيال والأساطير أحيانًا.
استلهم منه الأديب الأستاذ الطيب الزبير (والد لاعب الأهلي شندي مسلم الطيب) روايته الماتعة (سالم ود السما)، وهي، لعمري، نسيج روائي مكتمل، قليل من الطيب صالح ويحيى حقي وألبرتو مورافيا، وكثير من حرفة الكاتب (متعدد المواهب) وإبداعه في مزج قصة مسرحها هذه الرقعة، وأبطالها حقيقيون (ادعاء الكاتب)، بخيال جامح حلق بالرواية بعيدًا عن عالم المعتاد، لا ينقص متعتها سوى مجاراة سوق الكتابة في فك عزلة العيب في بعض التفاصيل.
وبعض الشخوص الأخرى حاضرة في الذاكرة، بحركتها وسكونها وتأثيرها، وحتمًا نعود.













