(تيارات)
إبراهيم العمدة خوجلي
من الأشياء الملاحظة في مجتمعاتنا ظاهرة جنون العظمة المستشري، والمدعوم قبليًا، والخاضع للركون إلى الماضي بآلية دفاعية ونفسية معقدة.
عندما يعاني الفرد من شعور متضخم ومبالغ فيه بأهميته أو قدراته، فإنه يبحث عن امتداد جماعي يعوض به أي نقص في شرعية نفوذه، وغالبًا ما يلجأ إلى الاستقواء بالقبيلة، وتحويل الانتماء القبلي من رابط اجتماعي إلى أداة لفرض الهيمنة وتضخيم النفوذ، والتعلق بإرث متلاشٍ، والتشبث بأمجاد تاريخية أو نسب قديم لإثبات تفوق وهمي يفتقر إلى الإنجاز الحقيقي في الوقت الحاضر.
فالانشغال المبالغ فيه باسترجاع الماضي، والإفراط في تحليل الإخفاقات السابقة، أو التباهي المفرط بالإنجازات القديمة، غالبًا ما يكون مؤشرًا على عجز الفرد عن إيجاد مسارات جديدة للنمو والتطور، أو تقديم إضافة حقيقية في واقعه، ومجاراة الحياة لبناء المستقبل، وهو دليل على قصور في القدرة على التكيف مع الحاضر ومواجهة تحدياته.
الإنسان الواعي يدرك أن التجارب الماضية، بكل ما فيها من دروس، هي مجرد محطات عبور وليست وجهات نهائية. فالقدرة على المضي قدمًا، والتعلم من الأخطاء دون الوقوع في فخ جلد الذات، أو الاستناد إلى أمجاد سابقة دون بناء مجد جديد يُذكر، هي السمة المميزة للعقل الذي يتطلع إلى التقدم والازدهار. فمن ينشغل بما فاته، قد يجد نفسه أسيرًا لدائرة مفرغة من التبريرات، لأن التركيز على ما كان يحجب الرؤية عن الإمكانيات المتاحة في اللحظة الراهنة، ويحد من القدرة على الابتكار والتجديد.
ورسالتي إلى كل قيادي أو صاحب رسالة سامية في البلد دي، والتي ابتُليت ببعض من يستهويهم ذلك ويخفونه في قوالب شكلية أكثر من أنها جوهرية، ذات طابع عملي مدروس ومحسوس ومرحب به، أن يعي تمامًا أن التحرر من قيود الماضي لا يعني نسيانه، بل يعني استيعاب دروسه واستخلاص العبر منه، ثم تركه خلف الظهر للتركيز على ما يمكن فعله الآن، واستثمار ما كان وقودًا للتقدم إلى الأمام. لأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما حققناه بالأمس، بل بما نستطيع إنجازه اليوم وغدًا. فالماضي مدرسة نتعلم منها فقط، وليس بيتًا نسكنه، ومن يدرك هذه الحقيقة يملك مفاتيح النجاح المستمر.













