علي حافة الضوء
د. عمار برهان
حينَ نتحدثُ عنِ الروايةِ السودانيةِ يطلُّ اسمُ الطيبِ صالحٍ بوصفهِ بوابةً واسعةً ندخلُ منها إلى النيلِ والقريةِ والإنسانِ، وُلدَ الطيب صالح في يوليو عام 1929 في قريةِ كرمكول قربَ مرويَ في شمالِ السودانِ، وعاشَ بينَ حقولِ النخيلِ ومجالسِ الحكاياتِ الشعبيةِ وروائحِ الطينِ والماءِ، ومن تلكَ البيئةِ الصغيرةِ خرجَ إلى الوجود عالمٌ أدبيٌّ واسعٌ بلغَ أطرافَ العالمِ، يحملُ دفءَ المكانِ وقلقَ الإنسانِ وأسئلةَ الهويةِ، ويرتبطُ بتجديدِ السردِ العربيِّ وتحويلِ التفاصيلِ المحليةِ إلى أفقٍ كونيٍّ يمسُّ القراءَ في ثقافاتٍ متعددةٍ.
نشأَ الطيبُ صالحٌ في ريفٍ يعرفُ الوجوهَ والأصواتَ والأنسابَ، ثم درسَ في بورتسودانَ والخرطومِ وحنتوبَ، والتحقَ بجامعةِ الخرطومِ قبلَ سفرهِ إلى بريطانيا لدراسةِ الشؤونِ السياسيةِ الدوليةِ في جامعةِ لندنَ، وقد أثمرتْ الرحلةُ توتراً خصباً بينَ ذاكرةِ القريةِ وتجربةِ المدينةِ الأوروبيةِ، وبينَ طمأنينةِ الجماعةِ وبرودةِ الاغترابِ، لذلكَ جاءتْ رواياتهُ مشغولةً بسؤالِ العودةِ وصورةِ الآخرِ، وحيرةِ المثقفِ القادمِ من الجنوبِ أمامَ تاريخِ الاستعمارِ الإنجليزيِّ ورغبتِهِ في معرفةِ حياةِ الآخرينِ.
تتجلى عبقريةُ الطيبِ صالحٍ في روايةِ موسمِ الهجرةِ إلى الشمالِ التي نُشرتْ متسلسلةً في مجلةِ حوارٍ عامَ 1966، ثم صارتْ من أبرزِ علاماتِ الروايةِ العربيةِ الحديثةِ. يظهرُ مصطفى سعيد الشابُّ اليتيمُ الذكيُّ صورةً جريحةً للقاءِ العنيفِ بينَ الشرقِ والغربِ، يسافرُ إلى القاهرةِ ثم لندنَ، ويظنُّ أنَّ العلمَ والذكاءَ يمنحانهِ سلطةً على العالمِ، فتدفعهُ ذاكرةُ الاستعمارِ ورغبةُ الانتقامِ إلى مأزقٍ أخلاقيٍّ ونفسيٍّ عميقٍ، ويطرحُ النصُّ سؤالاً حادّاً: ماذا يحدثُ للإنسانِ حينَ يحملُ عبءَ تاريخٍ كاملٍ على جسدهِ وعقلهِ وحدهما؟
تنبعُ قيمةُ الروايةِ في تركيبها الفنيِّ، فهي تقيمُ بناءً متعددَ الأصواتِ يجمعُ اعترافَ مصطفى سعيدٍ وحيرةَ الراوي، وحكمةَ أهلِ القريةِ، وصمتَ النيلِ العظيمِ. وكلُّ قراءةٍ تكشفُ طبقةً جديدةً من صراعِ الهويةِ وصورةِ المرأةِ، وسلطةِ المجتمعِ، ومفهومِ الرجولةِ، وخوفِ الإنسانِ من فراغِ اليقينِ، ويمكنُ قراءةُ الطيبِ صالحٍ على ضوءِ منهجِ البروفيسورِ عليِّ المكِّ في مختاراتِ منَ الأدبِ السودانيِّ، إذ ينظرُ إلى النصِّ داخلَ تربتهِ الثقافيةِ، ويهتمُّ بذاكرتهِ الشعبيةِ وإيقاعهِ المحليِّ، كما تساعدُ عنايتُهُ بالأدبِ الزنجيِّ الأمريكيِّ بوصفهِ صوتَ جماعةٍ مضغوطةٍ بالتاريخِ على فهمِ مصطفى سعيدٍ شخصيةً ممزقةً بينَ خطابينِ وحضارتينِ مختلفتين.
يوضحُ هذا القربُ من رؤيةِ عليِّ المكِّ سرَّ استقبالِ الطيبِ صالحٍ عربيّاً، فالمحليةُ عندَ الاثنينِ طريقٌ إلى الإنسانِ، يجعلُ الطيب صالح (ود حامد) مركزاً صغيراً للكونِ، ويمنحُ العجائزَ والمزارعينَ والنساءَ والغرباءَ حقَّ الكلامِ ثم يتركُ الأصواتَ تتجاورُ حتى تظهرَ الحقيقةُ من خلالِ التعددِ، لذلكَ تبدو شخصياتهُ بشريةً غنيةً تتجاوزُ الرمزَ الجامدَ، وتحملُ الطرافةَ والخطأَ والحكمةَ والضعفَ معاً، وتفتحُ نصوصُهُ أبوابَ العمقَ النفسيِّ والاجتماعيِّ والجماليِّ، وتمنحُ القُراء فرصةً لمناقشةِ الاستعمارِ والهويةِ واللغةِ داخلَ حكايةٍ ممتعةٍ تبقى في الذاكرةِ، فيلتقي الجماليُّ بالفكريِّ في تجربةٍ متماسكةٍ.
وتتسعُ صورتُهُ في عرسِ الزينِ، حيثُ يهبُ الشابَّ البسيطَ حضوراً أسطوريّاً دافئاً، ويجعلُ القريةَ تحتفلُ بالجمالِ المختبئِ خلفَ الغرابةِ، وفي دومةِ ودِّ حامدٍ يكتبُ عن مكانٍ يحتمي برمزهِ المقدسِ أمامَ ضغطِ التغييرِ، بينما يفتحُ ضوُّ البيتِ ومريودُ فضاءً آخرَ من عوالمِ بندرِ شاهٍ، حيثُ تختلطُ السلطةُ بالميراثِ، والحلمُ بالخوفِ، والذاكرةُ بالمصيرِ. وتكشفُ هذهِ الأعمالُ أنَّ القريةَ عندَهُ كائنٌ حيٌّ يتكلمُ ويخافُ ويفرحُ ويقاومُ ويعيدُ ترتيبَ حكاياتهِ.
كانَ الطيبُ صالحٌ من أصحابِ الإنتاجِ القليلِ والدلالةِ الغنيةِ، لغتهُ قريبةٌ من الشعرِ، وفيها بساطةُ السردِ الشفهيِّ وعمقُ التأملِ وسخريةٌ هادئةٌ تخففُ ثقلَ الأسئلةِ، عملَ في التدريسِ ثم في القسمِ العربيِّ بهيئةِ الإذاعةِ البريطانيةِ، وبعدها في مؤسساتٍ ثقافيةٍ وإعلاميةٍ عربيةٍ ودوليةٍ، وبقيَ قريباً منَ الإنسانِ العاديِّ ونبرةِ المجالسِ الريفيةِ، توفيَ في لندنَ في 18 فبرايرَ 2009، واستقرَّ جسدهُ في أمِّ درمانَ، وبقيتْ كلماتُهُ حيةً لأنها خرجتْ من مكانٍ حقيقيٍّ وإحساسٍ صادقٍ، كتبَ من قريةٍ صغيرةٍ على ضفافِ النيلِ فوصلَ إلى العالمِ الواسع، وكانَ سودانيَّ الروحِ بعمقٍ، فصارَ إنسانيَّ الأثرِ بعمقٍ، وأثبتَ أنَّ الأدبَ الكبيرَ يكفيهِ صوتٌ صادقٌ يرى الكونَ من نافذةِ قريةٍ صغيرةٍ مغمورةِ الذكرِ عندَ منحنى النيلِ.













