على حافة الضوء
د. عمار برهان
تعد الحضارة السودانية القديمة بالنسبة للبشرية من أعمق الينابيع التي تدفقت إلى السطح وروت تاريخ الإنسان على مر العصور، وذلك لأن أرض السودان تحفظ في طياتها طبقات متتابعة من الذاكرة البشرية، وتجمع بين المكان والزمان في مشهد واحد، فمنذ العصور الحجرية القديمة مرورا بتاسيتي وكرمة وكوش، وصولا إلى مروي ظل الإنسان في هذه البلاد يصنع حضارته على مهل ابتدره بصنع أدواته الخاصة وتنظيم مجتمعه المحلي وبناء رموزه الدينية والمعرفية والبحث عن معنى خالد يتجاوز حدود البقاء، ولهذا يبدو السودان كأنه كتاب من التاريخ المفتوح تقرأ فيه جميع البشرية بداياتها المبكرة وتحولاتها عبر الأزمنة وقدرتها على الصمود والبقاء وصناعة الإبداع.
وتدعم الدراسات الأثرية والجينية الحديثة مكانة السودان العظيمة داخل قصة نشأة الأصول البشرية، فقد كشفت مواقع حوض عطبرة والصحراء الشرقية عن أدوات حجرية ترجع إلى مئات آلاف السنين قبل الميلاد وبعضها يرتبط بالتقليد الأشولي الذي استخدمه الإنسان المنتصب القامة، كما أظهرت أبحاث أخرى أن وادي النيل والبحر الأحمر شكلا ممرين مهمين للحركة البشرية داخل القارة الأفريقية وخارجها، وتنسجم هذه الأدلة الواضحة مع النماذج العلمية التي ترى نشأة الإنسان العاقل هي عملية إفريقية واسعة شاركت فيها جماعات متعددة ومناطق مترابطة ببعضها البعض، ومن هنا تحمل عبارة (السودان أصل البشرية) معنى حضاريا وعلميا، حين نفهمها بوصفها تأكيدا على أن السودان كان أحد المراكز الكبرى التي احتضنت الحضور الإنساني المبكر، وأسهمت في تشكيل طرق الانتشار والتواصل بين البشر.
وتبدأ الملامح الحضارية المبكرة في السودان منذ ما قبل تاسيتي وتتضح خلال تاسيتي أو أرض القوس في المناطق المحيطة عبر آلاف السنين قبل الميلاد فقد كشفت مقابر قسطل عن رموز ملكية وصور للسلطة الموجودة الأمر الذي دفع باحثين مثل بروس وليامز إلى ربطها ببدايات الملكية في وادي النيل بكامله وتعكس هذه المرحلة لحظة مهمة انتقل فيها الإنسان من بناء الجماعة إلى بناء الدولة الكلية ومن تنظيم الحياة اليومية إلى صناعة الرمز السياسي الحاكم وهنا تقترب التجربة السودانية من فكرة هيغل عن الروح التي تتقدم عبر التاريخ، لأن الوعي يبدأ حين يكتشف الإنسان قدرته على تحويل الخوف والحاجة إلى قانون وذاكرة ومؤسسة.
ثم ازدهرت مملكة كوش العظيمة مستندة على إرث كرمة، واتخذت نبتة العاصمة المقدسة ثم بعدها مروي مركزين هامين لقوتها وعظمتها وحكم ملوكها وادي النيل كله فصنعوا واحدة من أبرز لحظات التواصل السياسي والثقافي في وادي النيل وفي المنطقة بأكملها، وبنى الكوشيون الأهرامات والمعابد والقصور، وطوروا التجارة وصناعة الحديد وإدارة المياه، وابتكروا الكتابة المروية التي تعبر عن شخصيتهم الحضارية، وكانت حضارة مروي فضاء يلتقي فيه المحلي بالعالمي، وتتجاور فيه التأثيرات الإفريقية والمتوسطية في صورة متوازنة تعكس قدرة الإنسان باني هذه الحضارة وهذا ما يجعل حضارة كوش قريبة من تصور أرسطو للمجتمع الكامل حيث تتحول المصالح الفردية إلى تعاون، ويتحول التنوع إلى قوة مشتركة.
وقد أدرجت اليونسكو مواقع هامة في السودان ضمن مناطق التراث العالمي تقديرا لقيمتها الاستثنائية ولما تكشفه من ثراء المملكة الكوشية واتساع علاقاتها، ومن هذه المواقع المدينة الملكية في مروي، والنقعة، والمصورات الصفراء، بما تحتويه من أهرامات ومعابد وقصور ومنشآت مائية ومناطق صناعية، وتمنح هذه الشواهد السودان موقعا واضحا في تاريخ الحضارات الكبرى كما تمنح الأجيال السودانية المتعاقبة فرصة لرؤية تاريخهم باعتباره مصدرا للثقة والمعرفة والمسؤولية.
وفي هذه الآثار يظهر المعنى الفلسفي العميق للحضارة فالإنسان كما يرى هايدجر يصنع وجوده داخل العالم من خلال الذاكرة والمكان والعمل ولهذا تصبح الأهرامات والمعابد وأدوات التعدين أكثر من مبان قديمة لإنها تمثل محاولات حقيقية للإنسان لحفظ المعنى الوجودي ومقاومة النسيان وربط الفرد بجماعته والإنسان بالكون، وتكشف معابد أبيداماك ورموز الملوك وتقنيات السيطرة على الماء واستخراج وصناعة المعادن وخاصة الحديد والذهب عن مجتمع جعل الحكمة والتنظيم والقدرة على التكيف مكملات ضرورية للقوة والاستمرار.
وتظل الحضارة السودانية العظيمة رسالة مفتوحة إلى الحاضر، فهي تقول بوضوح أن التاريخ يتجاوز المتاحف ويتحول إلى طاقة فاعلة حين يقرأه الجيل الجديد بعين واعية وروح واثقة، إن استعادة تاسيتي وكرمة وكوش ومروي من سجل التاريخ القديم للسودان وربطها بشواهد الإنسان المبكر في عطبرة والصحراء الشرقية وغيرها تمنح السودان مكانه داخل السردية الإنسانية الكبرى، وعندما يدرك الشباب أن أرضهم شاركت في صنع بدايات الإنسان وفي بناء الدولة والفن والتقنية، يصبح الماضي مسؤولية والمستقبل ضرورة وأولوية ويمنح الوعي للشباب ثقة راسخة وفهما عميقا للتاريخ الإنساني، هكذا يلتقي الزمن بالحاضر وتتحول الذاكرة إلى مشروع ويغدو السودان شاهدا على أن الحضارة فعل مستمر من الوعي والتجدد وصناعة الأمل.













