بلا ميعاد: عوض أحمد عمر
▪️
– ما رشح من معلومات عن اتجاه لتأسيس شركة تتولى إدارة وإكمال مشروع المدينة الرياضية، بمساهمة حكومية تبلغ 40%، ونسبة 30% لكل من ناديي الهلال والمريخ، لا يبعث على الاطمئنان بقدر ما يفتح أبواباً واسعة من التساؤلات حول طبيعة التفكير الرسمي في واحد من أكبر المشروعات القومية تعثراً وغموضاً.
– فإن صحت هذه المعلومات.. فإننا لا نكون أمام رؤية حل متكاملة، بل أمام معالجة محدودة تحيطها الأسئلة وعلامات الاستفهام وتختزل أزمة تاريخية معقدة وتقصير متوارث في تأسيس شركة وتوزيع أسهمها .
– وكأن المشكلة كانت دائماً في شكل الإدارة، لا في ضياع الأرض بلا رقابة أو ضمير ، وتعطيل المشروع لعقود لغياب الإرادة وغياب المحاسبة، وانعدام الشفافية، وتراجع الطموح إلى ما دون الحد الأدنى المقبول.
– المدينة الرياضية لم تبدأ مشروعاً صغيراً أو استاداً لكرة القدم.
– لقد ولدت حلماً قومياً عظيما على مساحة قاربت المليون ونصف المليون متر مربع، وكان مخططاً لها أن تصبح مدينة رياضية متكاملة، تضم استاداً أولمبياً وملاعب رديفة وصالات مغلقة ومسابح ومضامير لألعاب القوى، ومراكز للتدريب والإقامة والطب الرياضي والإعلام والخدمات التجارية.
– لكن الحلم تقلص كما تقلصت مساحة الأرض…فقد تراجعت مساحة المشروع حتى لم يتبق منها سوى أقل من الثلث.. وانخفض سقف الطموح من إنشاء واحدة من أكبر المدن الرياضية في القارة إلى تأسيس شركة لتساهم في إكمال استاد محدود السعة وربما بعض المرافق الملحقة به.
– وهنا يصبح السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه: أين ذهب الثلثان؟من الذي اقتطع مساحات من أرض المشروع؟ وبأي قرارات؟ وكيف تحولت أجزاء منها إلى مخططات سكنية واستثمارية ومؤسسات أخرى، من بينها جامعة أفريقيا العالمية؟ ولماذا ظلت المدينة الرياضية، على وجه التحديد، مستباحة أمام التعديات والتصرفات طوال هذه السنوات ؟.
– هذه الأسئلة يجب أن تكون محل اهتمام رئيس مجلس السيادة قبل رعاية أي شركة جديدة.
– فالتدخل المطلوب ليس مباركة مقترح محدود من المستشارين أو الأصدقاء ، وإنما فتح الملف كاملاً ومراجعة جميع التصرفات القانونية والإدارية التي جرت على أرض المشروع وكشفها للرأي العام وتحديد أوجه القصور التي لازمت المشروع طوال هذه السنوات .
– فالمدينة الرياضية ملك للشعب السوداني، وليست أصلاً قابلاً للتوزيع بين الحكومة وناديين، مهما بلغت مكانتهما وتاريخهما وجماهيريتهما.
– كما أن إشراك الهلال والمريخ وحدهما، إلى جانب أفشل اتحاد كرة قدم يطرح سؤالاً مهما أين بقية الأندية؟ وأين اللجنة الأولمبية؟ وأين اتحادات ألعاب القوى والسلة والطائرة والسباحة والمناشط الأخرى؟.
– هل المدينة مشروع لكرة القدم وحدها، أم منشأة قومية يفترض أن تخدم كل الرياضات وكل الأندية والاتحادات ؟.
– إن عجز الدولة في الظروف الراهنة مفهوم، وبكل تأكيد عجز مؤقت، لكن غير المقبول أن يتحول العجز في المال إلى عجز في الرؤية، أو أن يصبح تواضع الإمكانات مبرراً لتواضع الطموح.
– فالدول التي تمر بالحروب والأزمات تحتاج إلى مشروعات قومية كبرى تحفظ الأصول وتبني للمستقبل، لا إلى حلول تكرس الخسارة وتمنح الفشل غطاء ومبررا جديداً.
– وإذا أثبت التقييم المهني أن المساحة المتبقية لم تعد مؤهلة لإقامة مدينة رياضية حقيقية، فمن الأفضل مواجهة الحقيقة بشجاعة.
– وهنا يمكن النظر في أمر تحويل المشروع إلى جهة وطنية مقتدرة، مثل منظومة الصناعات الدفاعية أو إحدى الشركات القادرة على استثماره وتطويره.
– لكن ذلك لا ينبغي أن يتم مجاناً، ولا عبر انتاج تسوية غامضة تضاعف حجم الحزن والأسف .
– وإنما بإجراء تقييم مستقل لقيمة الأرض والمنشآت والأصول، ثم إلزام الجهة التي يؤول إليها الموقع بسداد قيمته الحقيقية على أن يوضع المقابل المالي في محفظة مستقلة ومحصنة قانونياً، تخصص حصراً لإنشاء مدينة رياضية جديدة على نفقة الدولة ضمن برامجها التنموية على مساحة أوسع، أو لبناء استادات وصالات ومسابح ومراكز تدريب حديثة في الخرطوم والولايات.
– المطلوب مدينة رياضية وفق معايير العصر، قادرة على استضافة البطولات الكبرى ، لا لافتة ضخمة معلقة على منشأة كانت من المفترض أن تكون أفضل من ذلك ولكن!! .
▪️آخر الكلم ▪️
– لقد سبقتنا الكثير من الدول بما فيها دول الجوار لأنها امتلكت وضوح الرؤية والإرادة ، بينما ظللنا نحن نلجم الحلم وأخيرا ندور بين الصيانة والترقيع والاستكمال وتبديل الشخوص..
– كما أن تجارب سابقة أكدت أن الرعاية الرسمية وحدها لا تكفي لضمان النزاهة والشفافية المطلوبة … وما أثير حول شركة «عسجد» ومشروع الدعم الخيري للمتأثرين بالحرب يفرض مزيداً من الحذر، حتى لا تتحول الثقة الرسمية إلى ستار يحجب الأسئلة المشروعة .
– إن الأولوية التي ينتظرها الشعب من رئيس مجلس السيادة ليست تأسيس شركة، بل كشف الحقيقة وإحياء الأمل مجددا وأن يكون سقف الطموح عاليا ومواكبا .
Omeraz1@hotmail.com











