داخل السرب
أيمن مبارك أبوالحسن
تأخر هطول المطر هذا العام في مساحات شاسعة من السودان وبخاصة في منطقتنا بالجزيرة، غير أن أخبار الأمس حملت إلينا بشائر الغيث الأول، وكسرت صمت المطر الذي ألفه الناس مدراراً في مثل هذه الأيام التي تعد ذروة الخريف.
وفصل الخريف “يتحكر” في وجداننا وذاكرتنا فيحتل منها صفحة من صفحات الطفولة، ويحفظ قصص الماضي والحاضر، ولنا معه علاقة خاصة تشكلت منذ أن كنا صغاراً في بواكير المراحل الدراسية حين كان الأستاذ يطلب أن نردد من بعده:
نزل المطر وبرد الجو
وذهب العطش وفرح أهل البلد
نزل المطر ونزل ونزل
ونط العجل وقفز الحمل
نزل المطر ونزل ونزل
كنا نحفظها لندرك لاحقاً أنها كانت تلخص علاقتنا بالمطر والخريف.
بيد أن الخريف في السودان شأنه شأن كثير من الأشياء، يحمل وجهين كلاهما خير. ومثلما يفيض بالفرح والبهجة، يستحيل أحياناً إلى موسم من السيول والفيضانات.
في خريف عام 1978، هطلت الأمطار بغزارة وتحولت إلى سيول أهلكت الزرع، وهدمت المنازل التي انهارت جدرانها الطينية بفعل السيول الجارفة. كانت غالبية المنازل في قريتنا والقرى المجاورة مشيدة من الطوب الأخضر والطين، وحين نزلت الأمطار قوية أطبقت على معظم تلك البيوت.
ثم جاءت أمطار عام 1988 لتترك أثرها الكبير هي الأخرى على مناطق واسعة من السودان، خاصة في مدينة الخرطوم ومحيطها، حيث غمرت المياه آلاف المنازل. ظلت تلك السنوات محفورة في الذاكرة بوصفها محطات فارقة في علاقة الناس مع فصل الخريف، لكن تلك الكارثة على فظاعتها صنعت تحولاً كبيراً. فبعد أن هدأت آثار الخريف، بدأ الناس يعيدون البناء بطريقة مختلفة. اختفت كثير من البيوت الطينية التقليدية وحلت محلها بيوت الطوب والأسمنت، فتحولت المحنة إلى منحة، إذ وجد الناس فرصة للانتقال إلى ما هو أفضل.
ولعل هذه هي الفكرة التي تستحق أن نتوقف عندها ونحن ننظر إلى حال السودان بعد الحرب، وهي أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تكون استنساخاً لما كان قائماً قبل الحرب، بل فرصة للتحسين والتجويد من خلال تشييد طرق وبنى تحتية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل، مستفيدين من تجارب الدول التي خرجت من الحروب والكوارث فجعلت من إعادة الإعمار فرصة لمعالجة أوجه القصور التي كانت قائمة من قبل. وتبرز هنا تجربة رواندا التي خرجت من الحرب وهي تعاني اقتصاداً هشاً، ومؤسسات متهالكة، وخدمات أساسية مدمرة، وبنية تحتية محدودة أصلاً. ومع ذلك تعاملت رواندا مع إعادة الإعمار بصورة حظيت بإشادة واسعة، إذ عملت على إعادة بناء شاملة للدولة والمجتمع معاً، وأعادت تأهيل المؤسسات والخدمات بشكل حديث تماماً، وها هي مدينة كيجالي تشهد على التجديد والتحديث باعتبارها من أكثر المدن الإفريقية تطوراً ازدهاراً.
* * * * *
قبل يومين، شاهدت مقطع فيديو لفريق فني يعمل على صيانة أحد الشوارع داخل الخرطوم. ومن الوهلة الأولى بدا واضحاً أن ما يجري لم يكن أكثر من “تلتيق” لشارع “ملتق” أنهكته المعالجات المؤقتة حيث تركزت أعمال الصيانة في رقع أجزاء وتأجيل الأجزاء الأهم من الشارع، شأن العديد من قضايانا التي تنشغل بمعالجة الأعراض، بينما تظل الأسباب الحقيقية بعيدة عن دائرة الاهتمام.













