د. أحمد قاسم
في زمنٍ لم تعد فيه الكلمة حبيسة الدواوين، ولا الأغنيات أسيرة المجالس، بات النص الغنائي يعيش حياةً أخرى خارج سياقه؛ حياةً تُصنع في التداول والتأويل. ومع اتساع النشر وتراجع الخصوصية، لم يعد الغزل مجرد تعبيرٍ عاطفي، بل صار ـ أحيانًا ـ مدخلًا لأسئلةٍ تتعلق بالسمعة والحدود والمسؤولية.
نماذج مثل «المرسال» و«صبية المسالمة» تضعنا أمام هذه المفارقة بوضوح. فالكلمات التي كُتبت لتُدهش أو تُطرب، قد تُقرأ في سياقٍ مختلف تمامًا، حيث يتحول الرمز إلى تعيين، والإشارة إلى شبهة، وتغدو المرأة المذكورة في النص أقرب إلى شخصيةٍ اجتماعية منها إلى صورةٍ فنية.
غير أن المشهد ليس على إطلاقه. فالذاكرة الغنائية السودانية تحمل أيضًا وجهًا آخر للغزل، وجهًا يقوم على القبول والاعتزاز. فقد عُرفت بعض حسناوات أم درمان بحضورهن الحفلات، يتلقين المدح علنًا، ويعتبرنه نوعًا من التقدير الاجتماعي. كما أن كثيرًا من القصائد لم تُكتب عن معرفةٍ مباشرة، بل عن لحظات عابرة: نظرة في طريق، أو لقاء خاطف في مناسبة عامة.
وفي أحيانٍ أخرى، كان الشاعر يسمع بالجمال قبل أن يراه، فيترصده حتى يظفر بلحظة المشاهدة، ثم يخلدها شعرًا. وفي مثل هذه الحالات، كما في «حسناء المسالمة»، حاول الشعراء التواري خلف الإيحاء، غير أن بعض الجمال ـ كما يُقال ـ لا يُخفى، «كالقمر في سمائه».
شعر الحقيبة يقدم نموذجًا متقدمًا في هذا التوازن. فقد تحاشى شعراؤه التصريح بالأسماء، واعتمدوا الرمز والإشارة، بل وحتى الحروف والأرقام، كما في «سبعات وتسعات» و«ستات وستينات». ولم يكن ذلك مجرد ترفٍ بلاغي، بل كان تعبيرًا عن وعيٍ مبكر بحدود القول، وحرصٍ على صون الخصوصية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض الشعراء كتبوا دون استئذان، مستندين إلى غموض التعبير كنوعٍ من الحماية، مما أوقع المتلقين في حيرة، وفتح باب التأويل على مصراعيه، وأدخل بعض الأسماء في دائرة من الحرج غير المقصود. ولعل من أبلغ ما يُستشهد به في هذا السياق واقعةٌ تناقلها طلاب جامعة الخرطوم في الماضي، حين نظم أحدهم أبياتًا في زميلةٍ له دون علمها، فخرج النص من دائرته الضيقة واكتسب حياةً أوسع، خاصةً عقب طردها من قِبل مدير الجامعة، حيث زاوج الشاعر بين مدح جمالها وانتقاد المدير. غير أن هذا الصدى، رغم ما بدا فيه من تعاطف، لم يكن خفيف الأثر؛ إذ تحولت الفتاة إلى موضوعٍ للتداول، وعُرفت بما لم تختره لنفسها. وهنا يتجاوز الأثر لحظته، ممتدًا إلى دوائر الأسرة والذاكرة، حيث يغدو الغزل ـ إذا قيل بلا استئذان ـ عبئًا يُثقِل أصحاب الحكاية بقدر ما يُطرب السامعين.
ورغم هذه التعقيدات، يظل الغناء السوداني ـ في مجمله ـ أكثر تحفظًا مقارنةً بغيره. فقد نشأ في بيئةٍ دينية واجتماعية جعلت من المرأة خطًا أحمر، فانعكس ذلك على لغة الغزل التي مالت إلى الرمز والستر. وتظهر هذه السمة في نماذج متعددة، من «عزيزة آدم منديل» في المسالمة، إلى «مليم الجنوبية» عند ود الرضي، وصولًا إلى «المرسال» لأبي قطاطي، حيث تبقى الحبيبة حاضرة بالإيحاء، غائبة بالاسم.
وعند المقارنة مع بعض التجارب العربية الأخرى، يبدو الغزل السوداني أقل مباشرة، وأكثر حرصًا على التوازن بين التعبير والاحتشام، خلافًا لنماذج بالغت في الوصف الحسي، حتى وإن ألبسته ثوب البلاغة.
في المحصلة، لا يعود السؤال متعلقًا بجمال النص وحده، بل بأثره أيضًا. فالكلمة، حين تُنشر، تفقد براءتها الأولى، وتدخل في سياقٍ اجتماعي لا يرحم. وبين حرية الشاعر وحق الآخرين في الخصوصية، تظل المعادلة الأصعب: كيف نكتب نصًا يُعجب الناس، دون أن يُثقل حياة من مرّوا بين سطوره؟.













