مسارات
رندة المعتصم اوشي
وإنك لتسمع لمحمد عبد الكريم الكابلي، فيدخلك في مسارح هذا الفيض من الجمال المنير الذي يعتري كوكبنا البديع هذا، شغوفًا به، مفتونًا، غدت أغانيه حدائق، يحيل أريجها وأزهارها الندية كلمات، ومقامات لحنية تصب في قرارات النفوس.
وكأنها “شقائق النعمان”، يثيرك من الألوان أحمرها، وأصفرها، وأخضرها، وما اكتسى بالفضة والذهب والعقيق والأرجوان.
يغني، فيعيدك إلى “الجزيرة” العربية، ومجالس النعمان بن المنذر، و”خليدة”، و”هريرة”، و”عزة الميلاء”، وليالي الغناء الساطع، وأساطين الشعر، ينثرون رطب المعاني، ثمارًا ناضجة، يغنون، هكذا كان يفعل علقمة بن عبدة.
هذه الإضاءة الاستطرادية المرسلة، أمر لازم، فهي تفسر حضور الثقافة العربية العميق، وتريك جذور الذهب المشع الذي لا يخبو، وما حفلت به من أسحار وفتون.
الكابلي لا يستطيع الفكاك من أسر الدراري التي نثرها فأشجت الناس وشغلتهم، وظلت تنقر على جدار القلب، وإنك لتحس بأن أغنيته التي بين يدينا، “تاني ريدة”، وكأنها تتمة، تكملة لحالة وجد وصبابة، تسمع لعبد العزيز جمال الدين في “بطاقة”، التي عرفت بـ”لو تصدق يا شباب عمري المفتق”.. عقد من لؤلؤ السجع، مشفوع بموسيقى مترفة، والصوت الدافئ الصيدح يمنح الكلمات زهوها: “تتفجر حديقة“.
“بطاقة” لعبد العزيز جمال الدين ألهبت مشاعر الفنان، وأضرمت في كبده عطشًا لم يروه الزمان، وظل يحلق في الفضاء، حتى إذا أذن الأوان أطلت “تاني ريدة” كهرمانة استخلصت من محار البحر.
“تاني ريدة”، نص ابتدر بحوار بين الشاعر وقلبه، شيء من ملام وعتاب، بل لعله ذريعة لدخول تجربة، مناخ وطقس عاطفي جديد.
“تخلق معاذير للحبيب
تقول كمان كلمات رقيقة
في بسمتو، في لهفتو
في ضي مواهبو وحسنو
تتمنى الحديقة”
خلق المعاذير لصفي الروح، شارة خضراء في أدب الغناء السوداني، ولا شك عندي أنه نظر في اعتذاريات النابغة، وأحمد بن الحسين المتنبي. نتأمل في بعض اعتذاريات الغناء السوداني، نقرأ:
“أمهد ليك تتخلص مني
ألقى خطاي تجمعني معاك”
ثم:
“إن شاء الله تبقى طيب إنت
أنا البي كلو هين”
ثم أرني، أي غناء حفل بمثل هذا التبريح المشفوع بتسامح ومعاذير للحبيب؟
النص الغنائي مملوء بالسهر والسهد والتسهيد، وهذه “الريدة الجديدة” تطل، تبعث:
“مواكب الريد القدام يا غالي شهوني المنام
خوفي منك تعيدا”
النص الشعري مسكون بعذوبة بالغة، وفيه تأكيد لذات المفردة العامية السودانية، وهذا يفصح عن منشأ هذا الفعل الإبداعي الذي يتدفق موجدة وعاطفة، تسمعها في مشرق الأرض ومغربها، وفي المجرات النائية، فتدرك أنها تنتمي لهذا الجمال الذي يسطع بين المدارين.
“نسهر الليل والنجوم والقمرة
والغيمة الصديقة
نبني آمال في الخيال
للغمضة والنومة العميقة”
ثم:
“مواكب الريد القدام
يا غالي شهوني المنام”
“الريد”، “القدام”، “شهوني”، هي توطين، هي “سودنة” بالغة الكمال.. دعك من “قلب” وإبدال وتأخير…
“تاني ريدة”، خفقات قلب، أنشودة تخلد إليها روح المعنى، تشفي بعض العذابات والأوجاع.
نسمعها، أنا، وأنت، وهو، وهي، تسعدنا، تبرئ بعض الجراحات والأوجاع، وتغسلها برذاذ من عطر الكلام.
وفي المحراب ترانيم ومزامير أُخر، فهل تنتظرني؟













