قبل كل صافرة…
وصال أبو زينب
هناك اختراعات غيّرت حياة الإنسان، كالكهرباء والإنترنت والطائرة، لكنها غيّرت طريقة عيشه.
أما كرة القدم، فقد غيّرت شيئا آخر… غيّرت مشاعره.
هل كانت كرة القدم مجرد لعبة نشأت بالصدفة ثم كبرت؟
أم أنها فكرة صيغت ببساطة شديدة، لكنها امتلكت من السحر ما جعلها تتجاوز كل الحدود؟
يكفي أن تتأمل المشهد في يوم مباراة كبيرة. المسلم يصافح المسيحي، والعربي يجلس بجوار الأوروبي، والغني يصرخ بجوار الفقير، والطفل يناقش الشيخ، والجميع يتحدثون اللغة نفسها، رغم اختلاف لغاتهم وأعراقهم وثقافاتهم. تسعون دقيقة فقط، لكنها قادرة على جمع ما عجزت عنه مؤتمرات، وسياسات، وخطابات طويلة.
ولهذا ليست كرة القدم مجرد رياضة، بل ظاهرة إنسانية استثنائية.
فهي اللعبة الوحيدة تقريبا التي استطاعت أن تدخل كل بيت، وكل قرية، وكل مدينة، وكل قارة، دون أن تحتاج إلى ترجمة أو تفسير. قد تختلف الأديان والمذاهب والثقافات، لكن عندما تهتز الشباك، يفهم الجميع معنى الهدف.
ولذلك أصبح نجومها من أشهر الشخصيات في العالم، وربما تجاوز تأثيرهم تأثير كثير من السياسيين والمفكرين. ملايين الأطفال يقلدون طريقة جري لاعب، أو قصة شعره، أو احتفاله بهدف، لأن كرة القدم لا تصنع لاعبين فقط، بل تصنع رموزا وقدوات، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
لكن كما أن النار تطهو الطعام، قد تحرق البيت أيضا.
فالوجه الجميل لكرة القدم أنها تجمع الأسرة حول لحظة فرح، وتخلق ذكريات لا تُنسى بين الآباء والأبناء، وتعلم العمل الجماعي، والانضباط، والصبر، واحترام الفوز والخسارة. كم من طفل تعلم الإصرار لأنه رأى فريقه يعود بعد الهزيمة! وكم من صداقة بدأت من مباراة في حارة أو ملعب صغير!
أما الوجه الآخر، فهو حين تتحول الرياضة إلى تعصب أعمى. حين تصبح نتيجة مباراة سببا للخصام، أو القطيعة، أو الشتائم، أو العنف. حين ينسى الإنسان أن اللاعب نفسه الذي يبكي من أجله، سيصافح منافسه بعد نهاية المباراة، بينما يبقى المشجع أسير الغضب والكراهية.
بل إن كرة القدم أصبحت في بعض الأحيان جزءا من السياسة والاقتصاد والإعلام. تُستثمر فيها مليارات الدولارات، وتُستخدم لبناء صورة الدول، وتقوية العلاقات، وأحيانا لإشعال المنافسات القومية. إنها لم تعد مجرد مستطيل أخضر، بل أصبحت صناعة عالمية تؤثر في الاقتصاد والثقافة والرأي العام.
ورغم كل ذلك، يبقى السؤال الأهم ليس:
هل نشجع كرة القدم أم لا؟
هل نحن من نملك شغفنا، أم أن شغفنا هو الذي يملكنا؟
كل شغف جميل ما دام في مكانه الصحيح، وكل متعة تصبح عبئا عندما تتحول إلى تعصب، أو تسرق من الإنسان واجباته، أو تفسد أخلاقه، أو تقطع رحمه، أو تشغله عن أولوياته.
قد تكون كرة القدم أجمل لعبة عرفها الإنسان… لكنها لا تستحق أن نخسر بسببها إنسانيتنا.
استمتع بالمباراة، شجّع فريقك بكل قلبك، وافرح إذا فاز، وابتسم إذا خسر، لكن تذكّر دائما أن نهاية المباراة مجرد صافرة… أما الأخلاق، والمحبة، والعلاقات، فهي البطولة التي لا ينبغي أن نخسرها أبدا.













