داخل السرب
أيمن مبارك أبوالحسن
عندما سمع الشاعر امرؤ القيس بمقتل أبيه، عقد العزم على الأخذ بثأره. ثم طلب من أصحابه المساعدة، فأغدقوا عليه الوعود بالمساندة والنصرة. لكنهم ما لبثوا أن تفرقوا عنه واحداً بعد آخر، وانتهى به الحال غريباً يتنقل من مكان إلى آخر. وعندما اشتدت عليه الوحدة وآلمه خذلان من ظنهم سنداً، أنشد قائلاً:
أجارتنا إن الخطوب تنوب … وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ههنا … وكل غريب للغريب نسيب
ثم مات امرؤ القيس وحيداً غريباً بعد أن تفرق عنه من ظنهم إخوة وأصدقاء، فإذا هم مجرد “خوة قرقر”.
وفي حياتنا جميعاً “خوة قرقر” تمتلي بهم ذاكرة هواتفنا. تراهم أمامك وحولك حتى تظن أنهم أقرب الناس إليك، ثم تكتشف عند أول اختبار أن العلاقة التي بدت عميقة لم تكن سوى “خوة قرقر”.
أحد الأعلام في مجتمع مدينة الرياض قضى أكثر من عشرين عاماً في خدمة الناس من خلال قيادته لواحد من الكيانات المهمة. كان كريماً، معطاءً، سبّاقاً لفعل الخير، مشهود له بالنبل والمروءة..
توفي الرجل قبل فترة قصيرة بعد أن كان مل السمع والبصر. تعرفه الرياض من خلال مواقفه وحضوره الدائم في كل مناسبة. كان يسعى بين الناس في حوائجهم، يساعد المحتاجين، يقف مع هذا في مرضه، ومع ذاك في أزمته، يشارك الجميع أفراحهم وأتراحهم. كان ينفق من ماله بسخاء حتى ظن كثيرون أنه من أغنى الناس، ولذلك كانت حوله دائرة واسعة المعارف والمقربين، أو هكذا بدا الأمر للناس.
ثم خلال الفترة الأخيرة قبل وفاته، أصابه المرض، وانقطع عن العمل، وضاقت عليه الأحوال. لكن لم يشتكِ لأحد، ولم يعرف حقيقة وضعه أحد، وظل محتفظاً بصورته القديمة التي عرفه الناس بها.
ثم رحل الرجل. وفي أيام العزاء الأولى اجتمع الناس وامتلأت القاعة بالمعزين، وتحدث الجميع عن مواقفه وكرمه ونبله وخدماته للناس. سمعنا عبارات عن الوفاء ورد الجميل وحفظ الود. بعضهم تحدث بحماس عن ضرورة الوقوف مع أسرته. وبعضهم أعلن أمام الحاضرين أنه لن يترك أبناءه. وآخرون اقترحوا مبادرات ومشروعات ودعماً ورعاية.
كان الكلام كثيراً، لكن ما إن انفض العزاء حتى اختفت الأصوات وتبخرت الوعود، وانشغل كل واحد بحياته. أما أسرة الراحل التي ظننا أنها ستحصد شيئاً من الوفاء لرجل أفنى عمره في خدمة الآخرين، فلم تجنِ إلا ذلك الكلام المعسول الذي قيل أثناء مراسم العزاء.
نسأل الله أن يرحمه ويتجاوز عنه، ويجعل ما عمله في حياته ذخراً لآخرته.
* * *
قبل الخروج:
أصعب ما يكتشفه الإنسان أن بعض من ظنهم إخوة لم يكونوا أكثر من “خوة قرقر”.













