على حافة الضوء
د. عمار برهان
يقف الممثل العالمي السير فيليب أنتوني هوبكنز في الصف الأول من ممثلي العالم في هوليوود بوصفه فناناً سينمائياً رائعاً صاغ حضوره من الموهبة الفذة والانضباط والقدرة النادرة على النفاذ إلى أعماق الشخصية التي يؤديها، وُلد في ويلز عام 1937 ثم امتدت رحلته من المسارح البريطانية إلى أضواء هوليوود، حيث منح الشاشة وجوهاً آسرة تتحاور فيها القسوة والهشاشة، والذكاء والغموض، والصمت المشحون بما تعجز الكلمات عن حمله.
درس الممثل أنتوني هوبكنز في الكلية الملكية الويلزية للموسيقى والدراما، وتخرّج عام 1957، ثم تابع تدريبه في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية بلندن وقد وجد في المسرح ميدانه الأول فانضم إلى المسرح الوطني الملكي بعد أن استوقف أداؤه الممثل والمخرج لورنس أوليفييه وهناك صقل أدواته وتعلّم كيف يحوّل الجسد والصوت والنظرة إلى لغة كاملة، قبل أن يتجه إلى السينما في ستينيات القرن العشرين.
عشقه للموسيقى رافقه منذ الطفولة فهو عازف بيانو موهوب وصاحب مؤلفات موسيقية تكشف جانباً رقيقاً من روحه وربما أسهم هذا الحس الموسيقي في بناء إيقاع أدائه إذ تتحرك كلماته بميزان محسوب وتأتي سكتاته كأنها نغمات خفية تمنح المشهد توتره وجماله.
برز اسمه عالمياً حين جسّد شخصية ريتشارد قلب الأسد في فيلم (الأسد في الشتاء) فلفت الأنظار إلى طاقة تمثيلية قوية تجمع الهيبة بالعمق، وقد وصفه ريتشارد أتينبورو بأنه أعظم ممثل في جيله، وهي شهادة تنسجم مع مسيرة حافلة بالشخصيات التاريخية والإنسانية من رؤساء الولايات المتحدة إلى الفنانين والقادة والرجال المنكسرين تحت ثقل الذاكرة.
بلغ هوبكنز ذروة شهرته في دور هانيبال ليكتر بفيلم (صمت الحملان) عام 1991حين صنع من الشخصية حضوراً مرعباً شديد الأناقة، واعتمد على هدوء الصوت وثبات النظرة واقتصاد الحركة، فتحول الشر بين يديه إلى لغز نفسي أخّاذ، وقد منحه هذا الدور جائزة الأوسكار لأفضل ممثل ورسّخ الشخصية في ذاكرة السينما بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً وإثارةً للرهبة.
تنوّعت أعماله بين (الرجل الفيل) و(دراكولا) و(بقايا اليوم)، كما قام بأداء أدوارٍ رائعة في أفلام هامة تشمل (أساطير الخريف) و(أميستاد) و(الحافة) وشهدت له الشاشة السينمائية أداءه المتميز في أفلام (قناع زورو) و(التنين الأحمر) و(الإسكندر) و(ثور) و(هتشكوك)، وفي كل تجربة كان يمنح الشخصية تاريخاً أدائياً داخلياً حتى تبدو كأنها عاشت طويلًا قبل ظهورها على الشاشة.
ويقوم فنه على إعداد بالغ الدقة يحفظ النص حتى يستقر في ذاكرته كالإيقاع، ثم يدخل موقع التصوير بحرية تسمح للحظة بأن تتنفس ولهذا تبدو انفعالاته طبيعية على الرغم من الصنعة المحكمة الكامنة وراءها، إن حركة صغيرة في وجهه أو ارتعاشة عابرة في صوته، قد تفتح أمام المتلقي أبواباً واسعة من الخوف والأسى والحنين.
وفي فيلم (الأب) قدّم صورة موجعة لرجل تتآكل ذاكرته وتتبدل أمامه الوجوه والأماكن، حمل الأداء ارتباك الشيخوخة وكرامتها ووحدتها، ومنحه أوسكاراً آخر مؤكّداً أن موهبته قادرة على التجدد في كل مرحلة عمرية يعيشها، وقد أصبحت نجمته في ممشى مشاهير هوليوود علامة على مكانته السامية بينما بقيت نظرته إلى الشهرة محكومة بالحذر إذ كان يرى أن الصدق الفني أثمن من البريق، وأن الفنان يحفظ روحه حين يبتعد عن الزيف والمجاملة.
وتكتمل صورته الإنسانية بحكمة تدعو إلى محبة الذات، واحترام الكبار، وصون العلاقات، وتقدير الكلمة الطيبة.
حصد هوبكنز جوائز عالمية رفيعة بينها الأوسكار، والبافتا، والإيمي، وجائزة سيسيل بي دوميل، كما منحته الملكة إليزابيث الثانية لقب فارس تقديراً لخدماته للفنون، ونال دكتوراه فخرية من جامعة ويلز، ومع هذا المجد ظل محتفظاً بنبرة صريحة تجاه صناعة السينما وبميل واضح إلى البساطة والابتعاد عن التصنع.
وتكشف العبارات المنسوبة إليه عن حكمة تشكلت عبر التجربة: (اليوم هو الغد الذي كنت أخشاه بالأمس)، و(عِش كل يوم كأنه هدية لا تقدّر بثمن) و(الحرية أهم من الكمال)، كما دعا إلى قبول المديح بامتنان، واحترام حكايات الكبار، والتعبير عن المشاعر، وحفظ قيمة العلاقات، ومعرفة الإنسان لقدره بعيداً عن أحكام الآخرين، وكان هوبكنز يصف طفولته الدراسية بتواضع ويقول إن الموسيقى كانت شغفه الأول ثم اكتشف أن التمثيل موهبته الأصدق ومن ذلك الاكتشاف وُلد فنان استثنائي جعل من العين نافذةً إلى الروح، ومن الصمت خطاباً للوعي ومن كل شخصية عالماً نابضاً يبقى أثره طويلاً بعد انطفاء الشاشة.













