تباشير
د. وليد محجوب
في عالم كرة القدم، غالباً ما يُوزن تميز الأداء بميزان الأرقام، وتحديداً أرقام المهاجمين. لذلك تبقى الكرة الذهبية، في كثير من الأحيان، جائزة تبحث عن “الهداف” أكثر منها عن حارس مرمى أو مدافع أو حتى لاعب وسط. لكن التاريخ، وكعادته، يزخر بالمفارقات التي تهز الثوابت. ففي عام 2006، حصل المدافع الإيطالي فابيو كانافارو على الكرة الذهبية، متوجاً بجدارة قيادته “الأزوري” إلى لقب كأس العالم.
لم تكن أرقامه هائلة من حيث التهديف، ولا صناعة الهجمات من الخلف، بل كانت أرقام مدافع عظيم في تدخلاته قيادته لمنظومة الفريق. فقد بلغت دقة تمريراته 84%، بينما استعاد الكرة بنجاح في 29 مرة، وحافظ على شباك فريقه نظيفة في 5 مباريات. وحسب “مؤشر كاسترول” الإحصائي، الذي يعتمد كلياً على تحليل البيانات الفعلية لكل حركة (كقطع الكرات والتشتيت والمواجهات المباشرة)، فقد حصل كانافارو على 7.4 من 10. وهذه أرقام عظيمة لمدافع قاد منتخبه إلى المجد، الشيء الذي أهله بجدارة لنيل جائزة الكرة الذهبية.
لكن حين نطالع أرقام الشاب الإسباني باو كوبارسي في مونديال 2026، نتساءل فوراً، أليست هذه الأرقام تفوق ما قدمه صخرة دفاع “الأزوري”؟ فكوبارسي، ذو التسعة عشر ربيعاً، سجل أرقاماً مذهلة، حيث تجاوزت دقة تمريراته نسبة 96%، أي بفارق شاسع عن كانافارو البالغ من العمر 32 عاماً وقتها. كما استعاد الكرة بنجاح في 24 مرة، ومرر 124 تمريرة بشكل صحيح من الخطوط الخلفية. لكن الأبرز أنه حافظ على شباك فريقه نظيفة في 7 مباريات كاملة، فيما استقبلت شباك إسبانيا في هذا المونديال هدفاً واحداً فقط، مقابل هدفين في شباك إيطاليا في 2006. وبلغ تقييم المدافع الإسباني الشاب 7.6 من 10 وفق “مؤشر الإحصائيات الرسمي” المدعوم من Aramco Power Rankings، والذي يدمج أدوار الدفاع والتمرير وصناعة اللعب. وهو مؤشر أعلى من سابقه.
حصل كانافارو على الكرة الذهبية بوصفه قلب دفاع بطل العالم، الذي شكَّل “جدار برلين” الجديد كما لُقِّب في تلك الحقبة. لكن ما فعله باو كوبارسي يتجاوز بكثير ما حققه الإيطالي. فبينما كان دفاع إيطاليا عام 2006 صلباً، كان دفاع إسبانيا في هذا المونديال ظاهرة تاريخية، بسبع مباريات بشباك نظيفة، وهدف وحيد طوال البطولة، وهو رقم قياسي لم يسبق له مثيل في تاريخ كأس العالم.
وبالنظر إلى الأرقام الفردية، نجد أن كوبارسي لعب 750 دقيقة دون تغيير، حيث شارك في كل مباريات البطولة. أما إذا نظرنا إلى جودة تمرير هذا الصبي، فقد تفوق بشكل لافت في هذه البطولة على كبار النجوم من خلال 668 تمريرة صحيحة من 690 محاولة، بنسبة نجاح 96.8%، وهو ثاني أفضل رقم في البطولة بعد زميله رودري. لكن الأكثر إدهاشاً هو تأثيره الهجومي من موقعه في قلب الدفاع. ففي المباراة النهائية وحدها، مرر الكرة إلى الأمام 121 مرة (وهو الرقم الأكثر في البطولة)، منها 21 تمريرة خارقة لخطوط الخصم، كما لمس الكرة 139 مرة، ونجح في 6 تدخلات دفاعية حَيَّدت بجانب الضغط العالي الذي مارسه المنتخب الإسباني الأسطورة ميسي.
لقد نصَّب كوبارسي نفسه “قلب” الفريق النابض، ليس فقط بالحفاظ على نظافة الشباك، بل في صنع الهجمات من الخلف باقتدار. فقد ساهم في خلق 8 فرص، وهو الرقم الأكبر بين المدافعين في البطولة.
من الواضح أن المقارنة ليست عادلة تماماً بين اليافع كوبارسي والمخضرم كانافارو. فالأول كان درعاً حصيناً، أما الثاني فكان درعاً يشن الهجوم بضراوة، فكان مثل الجندي الذي يحرك المعركة من الخلف ويهيئ الأرض لزملائه. ومع هذه الأرقام التي تفوق أساطير الجيل الذهبي، يبقى السؤال: هل سيُكافأ كوبارسي على هذا الأداء المذهل؟ أم أن الكرة الذهبية، التي ناسبت أداء كانافارو حين كان “الوحيد” في مركزه، ستتجاهل هذا المدافع الذي أدهش العالم؟
إن لم يحصل كوبارسي على الكرة الذهبية، فلن يكون ذلك لأنه غير مستحق لها، بل لأن الأضواء لا تزال مسلطةً على الهدافين وصناع اللعب. لكن إن كان هناك معيار للعدالة التاريخية، فإن ما قدمه هذا الصبي اليافع يستحق أن تُعاد كتابة قواعد الجائزة من أجله. فإذا كانت الكرة الذهبية تُمنح لأعظم من أدى في بطولة كبرى، فلا شك أن من يتصدر القائمة هو باو كوبارسي.













