بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
– يكشف الحوار الذي أجرته «آكشن سبورت» مع السفير كمال علي عثمان القنصل العام لجمهورية السودان في جدة.. عن تجربة دبلوماسية جديرة بالإشادة والتقدير..ليس فقط لما أنجزته من ملفات.. وإنما لطبيعة الظروف الاستثنائية التي تحققت فيها تلك الإنجازات في وقت يمر فيه السودان بواحدة من أعقد وأقسى مراحله التاريخية.
– فالعمل القنصلي في المملكة العربية السعودية لا يشبه كثيراً من ساحات العمل الدبلوماسي الأخرى.. إذ تستضيف المملكة واحداً من أكبر التجمعات السودانية خارج الوطن يضم مئات الآلاف من المقيمين وأسرهم، إلى جانب أعداد كبيرة من السودانيين الذين يفدون إليها سنوياً لأداء مناسك الحج والعمرة، أو لأغراض الزيارة والعمل والتجارة.
– هذا الوجود السوداني الواسع يضع على عاتق السفارة والقنصلية مسؤوليات متشعبة، لا تقف عند إصدار الجوازات والوثائق الرسمية، بل تمتد إلى رعاية شؤون السودانيين، ومعالجة أوضاعهم القانونية والإنسانية، والتدخل في الحالات الطارئة، والتنسيق المستمر مع السلطات السعودية من أجل تيسير الخدمات وحماية الحقوق.
– وقد تضاعفت هذه المسؤوليات منذ اندلاع الحرب في السودان، بعدما أصبحت جدة والمنطقة الغربية وجهة لآلاف السودانيين المتأثرين بالحرب.. بعضهم وصل بعد أن فقد منزله أو تفرقت أسرته، أو انقطعت به السبل، أو تعذر عليه العودة إلى منطقته.
– أمام هذا الواقع الإنساني بالغ التعقيد، برز دور السفير كمال علي عثمان بوصفه مسؤولاً قريباً من الناس، يدرك أن الدبلوماسية ليست مراسم ومكاتب وبروتوكولات فحسب، وإنما مسؤولية وطنية وخدمة إنسانية، تتجلى قيمتها الحقيقية في أوقات الأزمات.
– إن تقديم مساعدات إنسانية تجاوزت مليون ريال سعودي خلال عام واحد يمثل إنجازاً مهماً، لا من حيث القيمة المالية وحدها، وإنما من حيث القدرة على حشد الموارد، وتنظيم الجهود، وتوجيه الدعم إلى الحالات الأكثر احتياجاً.
– كما يعكس استشعاراً حقيقياً لمعاناة السودانيين، وقدرة على بناء شراكات فاعلة مع مؤسسات الجالية ورجال الأعمال والجهات الرسمية والإنسانية.
– ويأتي برنامج العودة الطوعية ضمن أبرز المبادرات التي قادتها القنصلية.. إذ نجحت في إعادة نحو ثلاثة آلاف سوداني من الراغبين في العودة، بعد توفير التسهيلات المتعلقة بالوثائق وإجراءات السفر، واستقطاب دعم شركات الطيران والنواقل البحرية.
– بل امتدت الخدمة إلى توفير الترحيل الداخلي لبعض العائدين بعد وصولهم إلى السودان.
– وتكشف هذه المبادرة عن تحول مهم في مفهوم العمل القنصلي.. إذ لم تكتف القنصلية بتقديم الإرشادات أو معالجة الأوراق، وإنما انتقلت إلى العمل التنفيذي المباشر، وتابعت رحلة العودة منذ بدايتها وحتى وصول المستفيدين إلى وجهاتهم داخل الوطن.
– ويمثل شراء المقر الدائم للقنصلية السودانية في جدة إنجازاً مؤسسياً وتاريخياً سيظل مرتبطاً بفترة السفير كمال علي عثمان وفريقه المعاون.
– فبعد سنوات طويلة من دفع الإيجارات، أصبح للدولة السودانية أصل ثابت يحمل اسمها، ويحفظ مواردها، ويبقى للأجيال القادمة.
– كما أن صيغة التمويل التي تمت بالتعاون مع بنك الخرطوم، وبأقساط تقترب من قيمة الإيجار، تعكس حسن التخطيط، والقدرة على تحويل الإنفاق المتكرر إلى استثمار دائم، بما يصون موارد الدولة ويحقق لها قيمة مؤسسية ممتدة.
– ولا تقتصر أهمية المقر الجديد على انتقال ملكيته إلى الدولة بل تتجسد كذلك في الرؤية الموضوعة لتحويله إلى مركز متكامل للعمل القنصلي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، يضم قاعات واسعة للمعاملات والمؤتمرات، ومساحات لفعاليات الجالية، ومعرضاً دائماً للفلكلور والمنتجات السودانية، ومرافق لاستقبال المستثمرين ورجال الأعمال.
– إنها رؤية تتجاوز المفهوم التقليدي للقنصلية، لتجعل منها بيتاً للسودانيين، ومنصة للتعريف بالسودان وثقافته وإمكاناته، وجسراً لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين السودان والمملكة العربية السعودية.
– ويحسب للسفير كمال علي عثمان كذلك اهتمامه بالتحول الرقمي، والعمل على تدشين خدمة الدفع الإلكتروني للرسوم، وتوسيع خدمة إرسال الجوازات والمستندات عبر البريد. وهي خطوات من شأنها أن تخفف كثيراً عن السودانيين المقيمين في المدن والمناطق البعيدة، وتقلل تكاليف السفر وزمن الانتظار والازدحام على منافذ تقديم الخدمة.
– كما نجح السفير وفريق القنصلية في بناء علاقات تعاون فاعلة مع الجهات السعودية، بدءاً من وزارة الخارجية وإمارات المناطق مروراً بإدارات الجوازات والوافدين والسجون، وصولاً إلى الجهات ذات الصلة بالقضايا القانونية والإنسانية.
– وقد أسهم هذا التواصل المباشر في معالجة كثير من القضايا، ومتابعة أوضاع السودانيين المخالفين لأنظمة الإقامة، أو الموجودين في السجون، وتقديم المساندة القانونية والقنصلية لهم، والعمل على تسوية أوضاعهم وفق الأنظمة المعمول بها.
– إن الإشادة بهذه التجربة ليست مجاملة لمسؤول، ولا احتفاء بمنصب، وإنما هي تقدير لنهج في الإدارة جعل خدمة أبناء السودان محوراً للعمل، وأدرك خصوصية المملكة العربية السعودية، وثقل الوجود السوداني فيها، وتعامل مع تداعيات الحرب بروح المبادرة والمسؤولية.
▪️آخر الكلم▪️
– لقد قدم السفير كمال علي عثمان نموذجاً للدبلوماسي الذي يحمل وطنه في قلبه، ويقيس نجاحه بما ينجزه للناس، وما يخففه عنهم من معاناة، وما يبنيه من مؤسسات، لا بما يحمله من ألقاب أو ما يحيط بمنصبه من مظاهر.
– ويبقى التحدي الأكبر هو مواصلة هذه المسيرة، وتحويل الإنجازات التي تحققت إلى منظومة مؤسسية مستدامة، تحفظ ما أُنجز، وتعمل على تطويره، وتضمن استمرار الخدمات بالكفاءة ذاتها، بصرف النظر عن تغير الأشخاص والمواقع.
– فالسودان، في هذه المرحلة الدقيقة، يحتاج إلى مسؤولين يؤمنون بأن قيمة المنصب لا تكمن في سلطاته وامتيازاته، وإنما في حجم الخدمة التي يقدمها، والملفات التي ينجزها، والمؤسسات التي يبنيها، والأثر الذي يتركه في حياة السودانيين داخل الوطن وخارجه.











