تباشير
د. وليد محجوب
تلك اللحظة التي يطل فيها المنتخب الوطني على مسرح المونديال، وسط أضواء الشهرة وهدير الجماهير، ليست حلماً مستحيلاً، ولا أمنية بعيدة المنال، بل هي ثمرة غرسٍ طويل الأمد، وبذلٍ متواصل في تربة كروية خصبة. ولن تثمر هذه التربة إلا إذا استثمرنا في جذور اللعبة، في تلك البراعم التي تنبت في الأزقة والحواري، وتلك المواهب التي تخبو تحت رماد الإهمال، فتنتظر من ينتشلها إلى نور الملعب الأخضر، ويمنحها الفرصة لأن تُزهر وتُثمر.
لا شك أن النهوض بكرة القدم يبدأ من المدارس السنية، تلك الحاضنات التي تصنع اللاعبين وتصقل المواهب الاستثنائية، وتغرس في نفوس الناشئين حب الكرة وتعلمهم فنونها كما يقول الكتاب، منذ نعومة أظفارهم. فلا يمكن لبناء صرح كروي شامخ أن يقوم بلا أساس مبني على اكتشاف مبكر لأصحاب المهارات المتميزة، ومنهج علمي لتدريس أصول اللعبة، وفق المُتبع في أكاديميات رصينة، تجمع بين الجانب البدني والفني والنفسي، وتُعِد اللاعب ليكون محترفاً قبل أن يبلغ سن الرشد.
وهنا لا بد من التوقف عند تجربة رائدة لم تتكرر، حين وصل منتخب الناشئين لنهائيات كأس العالم بإيطاليا عام ١٩٩٢. تلك كانت ثمرة الحقبة الذهبية التي بلغت فيها تجربة “الأشبال” أوج ازدهارها، حينها امتزجت الموهبة الفطرية بالتخطيط الاستراتيجي المحكم، فكان ذلك الصعود دليلاً ساطعاً على أن النجاح ممكن حين تخطط له العقول وتؤمن به القلوب، وتعمل له الأيادي بلا كلل.
وليس لنا اليوم إلا أن نتطلع إلى تجارب الأمم التي سبقتنا، وفي مقدمتها أكاديمية محمد الخامس في المملكة المغربية الشقيقة، تلك التجربة التي أثبتت أن الاستثمار في الناشئين ليس ترفاً، بل ضرورة حتمية لا غنى عنها. فقد رفعت الأكاديمية المغربية منتخب أسود الأطلس إلى مصاف العشرة الكبار عالمياً، وأثبتت أن التخطيط العلمي من خلال خلق قاعدة بيانات شاملة للمواهب، ودمج الخبرات التدريبية المحلية مع الخبرات الأجنبية ذات الوزن الحقيقي، هي معادلة النجاح الذهبية التي تنتظر من يطبقها بإخلاص وعزيمة. لم تكن نتائج فترة ازدهار جهاز الأشبال وليدة الصدفة، بل ثمرة سنوات من العمل المتواصل، والرؤية الثاقبة التي آمنت بأن المستقبل يُصنع اليوم.
إن حلم المونديال، إن أردنا تحقيقه، يبدأ من اليوم، يبدأ من شوارع المدن وريفها، من أقدام حافية تركل كرةً مصنوعة من الشرابات القديمة، وتحتاج إلى من يلتفت إليها بعين خبيرة، ثم تحتضنها في أكاديميات كبرى، على غرار أكاديميات الأندية العريقة في الدوريات الأوروبية الكبرى، بل أكبر منها وأشمل، تستقطب الناشئين من كل حدب وصوب، وتوفر لهم التدريب على أصول اللعبة، وتزويدهم بعلوم التغذية والتحليل النفسي والبدني، مع الاستعانة بخبرات تدريبية أجنبية على أعلى مستوى، إلى جانب الكفاءات الوطنية المؤمنة برسالتها، المتمسكة بهويتها الرياضية.
وحين تلتقي كل هذه الجهود، وتتضافر جهود الإرادة الصادقة المُتجردة مع العلم، وتتحد الرؤية مع العمل، وتُفتح الأبواب أمام كل المواهب الصغيرة بلا استثناء ولا محاباة، بالتأكيد سنرى منتخبنا القومي في نهائيات كأس العالم، ليس في مشاركة عابرة ولا حضور هامشي يخرجهم من الأدوار التمهيدية، بل سنراهم وقوفاً على منصات التتويج، يكتبون إنجازاتهم بحروف من نور في سجلات المنافسات الإفريقية والمونديالية، فيردوا بذلك اعتبار وطن طالما انتظر لحظات المجد لعقود طويلة.











