داخل السرب
أيمن مبارك أبو الحسن
واحدة من الهوايات التي شغف بها بعض صبية وشباب قريتنا كانت صيد الطيور. ولم يكن ذلك ممكناً إلا في فترة محددة من العام، حين تبدأ أسراب الطيور المهاجرة بالتوافد مع بدايات الشتاء وتصبح الليالي أكثر برودة. بعد صلاة العشاء يتجمع الصبية والشباب في طرف القرية، يحمل كل واحد منهم “شوالاً” فارغاً وكشافاً صغيراً، ثم ينطلقون جماعات تحت جنح الظلام. كنا نعرف المواقع التي تهبط فيها الطيور جيداً، فهي تعود إليها عاماً بعد عام، وتمكث فيها قليلاً ثم تستأنف الهجرة بداية أبريل نحو الشمال.
أكثر ما كانت تفضله الطيور هي المناطق المحاذية لخط السكة الحديد والذي يعبر بالقرب من قريتنا (حاليا أصبح أثرا بعد عين)، وهو نفس خط السكة حديد الممتد بين الخرطوم وسنار الذي شيده الإنجليز عام 1912 ليحمل القطن من مناطق الإنتاج بالجزيرة إلى المحالج في مارنجان وسنار. في الليل كانت قضبان السكة حديد تتحول إلى محطة راحة لآلاف الطيور المهاجرة، هناك كنا نعثر عليها.
كانت الطيور تستقر على القضبان أسفلها أو بالقرب منها. كنا نوجه ضوء الكشاف نحو السرب فيسكن مكانه، ثم نقترب بهدوء ونلتقطه بأيدينا. تتكرر العملية مرة بعد أخرى حتى يثقل الشوال بما جمعناه.
أغلب ما كنا نصطاده كان طائر “الجغجاغة” هكذا كنا نطلق عليه محلياً، وهو ذاته طائر السمان أو الفري. وكانت هناك أيضاً طيور القطا والرهو وأنواع أخرى كثيرة، فالسودان يزخر بأنواع عديدة من الطيور تزيد عن 600 نوعاً. أما الطيور التي نجمعها كانت صغير الحجم أقرب لفرخ الحمام، لكنها مكتنزة اللحم وكثيفة الدهن. وكنا نعود إلى البيوت قبيل الفجر وقد ملأنا الشوالات بالطير، ويصبح حديث الناس في الصباح عن حصيلة الليلة الماضية.
غير أن سؤالاً ظل يراودني كلما تذكرت تلك المشاهد: لماذا لم يتحول هذا المورد الطبيعي إلى مشروع اقتصادي منظم؟ فالسمان كأحد الأنواع ضمن تلك الطيور يتميز بقيمة غذائية عالية، ويحتوي على نسبة منخفضة من الدهون والكوليسترول، كما يعد مصدراً جيداً للبروتين وفيتامين ب12 وأوميغا 3 وفيتامين أ وج. كما أن تربيته لا تحتاج إلى مساحات كبيرة مقارنة بمشروعات الدواجن التقليدية، ودورة إنتاجه قصيرة، وعوائده مرتفعة، إضافة إلى وجود طلب جيد عليه في عدد من أسواق المنطقة، خاصة دول الخليج التي يحظى فيها بإقبال واسع وطلب عالٍ.
رغم هذه المزايا، لا أعرف مشروعاً متخصصاً في هذا المجال استطاع أن يستثمر هذه الفرصة بالشكل الذي تستحقه. فالموضوع يتعلق بفرصة مهمة، وقطاع إنتاجي يمكن أن يضيف قيمة اقتصادية حقيقية.
* * * * *
من المفارقات أن الحرب التي تدور رحاها في البلاد لم تؤثر على البشر وحدهم، وإنما امتدت آثارها إلى البيئة والحياة البرية أيضاً. فقد أشارت تقارير عديدة إلى تغير مسارات بعض الطيور المهاجرة وتراجع أعدادها في مناطق كانت تمثل محطات رئيسية في رحلاتها السنوية.
فالطيور التي اعتادت التوقف في مواقع محددة لعقود طويلة أصبحت تبحث عن مسارات جديدة ومحطات بديلة. وبعض المناطق التي كانت تستقبل أسراباً كبيرة لم تعد ترى هذه الطيور. يتحدث المهتمون بالحياة البرية عن تراجع ملحوظ في أعداد بعض الأنواع، واختفاء أنواع أخرى من مواقع اعتادت الظهور فيها كل موسم.











