مهاد الحروف
مهاد عوض
ليس الماضي مجرد أحداثٍ انقضت، بل هو مرآةٌ صامتة تعكس أخطاءنا، وانتصاراتنا، وتفاصيلنا الصغيرة التي شكّلتنا. ومع ذلك، يبقى السؤال المؤلم حاضرًا: لماذا يكرر الإنسان أخطاءه، رغم أنه عاشها، وتألم منها، وعرف عواقبها؟
الحقيقة التي قد تبدو صادمة، أن الإنسان لا يفشل في التعلّم لأنه لا يفهم، بل لأنه لا يتعامل مع التجربة بعمقٍ كافٍ.
تشير الدراسات النفسية إلى أن الإنسان قد يقع في ما يُعرف بتكرار التجربة أو إعادة إنتاج الألم، حيث يعيد نفس السلوكيات أو يدخل في نفس الأنماط، وكأنه مدفوعٌ بقوة خفية لفهم ما حدث أو السيطرة عليه. لكن المفارقة أن هذه المحاولة لا تشفي الجرح، بل تُبقيه مفتوحًا.
في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في الذاكرة، بل في طريقة تفسيرنا لما حدث. فنحن نُجمل أخطاءنا، أو نُبررها، أو نُسقطها على الظروف، لنحمي أنفسنا من الشعور بالذنب. وهكذا، لا نتعلم… بل نُعيد نفس القصة بوجوه مختلفة.
العقل البشري أيضًا يعمل بطريقة تعتمد على القوالب الجاهزة، فهو يميل إلى تكرار الأنماط التي اعتاد عليها، حتى لو كانت خاطئة، لأنها مألوفة. فالسلوك المألوف يمنح شعورًا زائفًا بالأمان، بينما التغيير يتطلب مواجهة المجهول.
ومن زاوية أخرى، تشير أبحاث حديثة إلى أن الإنسان يتعلم من النجاح أكثر مما يتعلم من الفشل، لأن الفشل يحمل عبئًا عاطفيًا يجعله يتجنبه بدل تحليله. فبدل أن نسأل: لماذا أخطأت؟ نهرب إلى سؤال أخف وطأة: كيف أنسى ما حدث؟
وهنا تكمن المشكلة.
هناك أيضًا جانب نفسي عميق: بعض الناس يكررون أخطاءهم لأنهم لم يشفوا من تجاربهم السابقة. الألم غير المعالج يتحول إلى سلوك متكرر، وكأن النفس تحاول إعادة كتابة النهاية… ولكن بنفس السيناريو القديم.
وفي خضم ذلك كله، يظهر عامل آخر خطير: الوهم.
وهم أن التجربة وحدها كافية للتعلّم.
بينما الحقيقة أن التجربة دون وعي، مجرد تكرار.
إن التعلّم الحقيقي من الماضي لا يحدث تلقائيًا، بل يحتاج إلى شجاعة.
شجاعة الاعتراف، لا التبرير.
وشجاعة المواجهة، لا الهروب.
وشجاعة التغيير، لا التكرار.
فالإنسان لا يتغير لأنه مرّ بالتجربة، بل لأنه فهمها بصدق.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال:
لماذا نفشل في التعلّم من ماضينا؟
بل:
هل نحن مستعدون أصلًا أن نرى الحقيقة كما هي؟
لأن الحقيقة، رغم قسوتها…
هي الطريق الوحيد لعدم تكرار الألم.











