م. مأمون محمد الطيب عمر
انقضت الأيام الأولى بالمنزل الجديد ترتيبًا وتجهيزًا، وما كان لنا فيه من سهم ولا اهتمام حتى لحظناه ماثلًا.
كانت النفس المتشوفة تتوق لسبر مديات أكبر خلف الأفناء المحدودة، عدوًا في الشوارع والأزقة القريبة مع الأتراب، كما كان الحال بالقرية، سلسلة ممتدة من الرغبات الجامحة لكشف أستار المدينة الجديدة، تجالد كوابح الخوف والممانعة. الطريق المكتسي بالسواد، المائج بالحركة هنا، يدعو بغرابته للسير حتى منتهاه، حيث ينام بأحضان البنايات الملونة البعيدة.. ترى ماذا تخزن داخلها، صنوًا للطريق؟!
غير أن سيف المنع كان مسلطًا.
المدينة غريبة، وطرقها كثيرة، ومتسعة الأرجاء، وكذا الجوار. التخويف من أن يتخطفك الغرباء سيفٌ لم يكن به حاجة لمغادرة غمده كثيرًا، لكبح تطلعاتنا الجامحة ومحاولة الإفلات والتهويم خارج أسوار المنزل وطوقه الحديدي.
ورويدًا بدأت تنمو أُلفة مع المكان، فطفقنا نمارس نشاط الصغار المعتاد ببطن الدار، وما توفر لنا من مساحات وأفناء، قانعين به، نتحين الفرص لمعاينة مباهج الخارج التي وعدنا بها مرارًا، فصبرٌ نمني به النفس حتى حين.
الإقامة الجبرية بالمنزل لم تكن كلها سيئة، فقد أتاحت لنا التعرف على الزوار من الجيران ومتسقطي الأخبار (الشمارات) عن القادمين الجدد.
سلام ناس البيت.. كيف حالكم.. كيف قيلتو.. سلامة الوصول..
معزوفة باتت تطرق آذاننا كلما حل زائر أو.. زائرة.
تلك كانت متعتنا في التسابق نحو الباب لاستقباله.
النساء كن العنصر الطاغي من جملة الزوار.
بانوراما الجوار شملت العديدات.
التايه، امرأة فارعة بجسد ممشوق، باسمة الثغر دائمًا، بشوشة. عندما تضحك تتغضن الشلوخ في وجهها الصغير. أقرب الجيران وأكثرهم اهتمامًا وحرصًا على التواصل. تراها دائمًا تمد يدها بشيء عبر الجدار الفاصل.
حاجة عزيزة.. رأيتها مرة أو مرتين، جسيمة، حمراء اللون، ولكنها، كسائر نساء ذاك الزمن، تزين وجهها بالفصود، وفمها باللون النيلي، وبضع خطوط مستدقة منه على رسغي اليدين من الداخل. كان ذاك يثير رغبتي في معرفة كنهه، ولكن هيهات.. يحرم الجلوس أو التلصص على ما يدور في مجالس الزوار من النساء.
عشة بت رجب.. قصيرة، دقيقة الملامح، ببشرة سوداء لامعة، بشوشة، يفتر ثغرها عن عقد منضد، فاقع لونه، يسر الناظرين.
القائمة تطول.
لم تقتصر الوفود على النساء فقط، فمن الرجال جاء أصحاب السوق، حيث يعمل جدي.
حسب النبي، رجل طويل، خفيف اللحم، تكاد تلمس العظام تحت الجلد. يتحدث بصوت خفيض، وهو ينظر إليك بعينيه الواسعتين. قد نام خطان متعامدان على صفحتي ذاك الوجه النحيل، حتى أشفقت عليه.
ود بساطي، مربوع القامة، ممتلئ الجسم، ما انفك يبرم شاربه المفتول، الذي تجاوز حد الأذنين. يضحك وهو يردد: “والله يا ود العطايا كان شفتا..”
عمك محمد الحسن جواري، مالك البيت، رجل ضخم، داكن اللون، يتهادى في سكون كطيف. لا تلمحه بقفطانه السكري المقلم بالأسود، حتى يرفع بالتحية صوته العالي الرخيم.
رغم هذه البانوراما اليومية المتجددة، كنا نتحرق لزيارة العالم خارج البيت، فأبى الخارج إلا أن يأتينا أولًا.
الوفود ما زالت تترى للتحية والسلام.
يتبع..











