ميسرة الزين الشريف
قامت قواعد المسؤولية القانونية، عبر تطورها التاريخي، على فرضية راسخة مؤداها أن كل ضرر يمكن إرجاعه إلى شخص محدد تُسند إليه المسؤولية. وعلى هذه الفرضية استقرت مفاهيم الخطأ، والضرر، والرابطة السببية، وشكلت الإطار الذي قامت عليه المسؤولية القانونية. إلا أن التطور المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي أعاد طرح سؤال جوهري لم يكن مطروحًا من قبل: كيف تُسند المسؤولية عندما يكون القرار نتيجة تفاعل بين النظام الذكي، والبيانات، والرقابة البشرية، لا نتيجة فعل بشري مباشر؟
ولا يتمثل التحدي في قدرة الأنظمة الذكية على اتخاذ قرارات معقدة، فذلك أصبح واقعًا في مجالات التجارة، والتمويل، والتأمين، والرعاية الصحية، وغيرها، وإنما في تحديد من يتحمل النتائج القانونية المترتبة على تلك القرارات.
وقد يذهب البعض إلى أن منح الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية مستقلة يمثل الحل لهذه الإشكالية، إلا أن هذا الاتجاه لا يزال يفتقر إلى أساس تشريعي مستقر. فالأنظمة الذكية، مهما بلغت درجة استقلالها التشغيلي، لا تمتلك إرادة قانونية، ولا أهلية، ولا ذمة مالية مستقلة، وهي المقومات التي تقوم عليها المسؤولية القانونية. ولذلك، ستظل المسؤولية، في المرحلة الراهنة، مسؤولية بشرية أو مؤسسية.
غير أن بقاء المسؤولية في إطارها البشري لا يعني بقاء معاييرها التقليدية دون تغيير. فقد أصبح الضرر، في كثير من الحالات، نتيجة سلسلة مترابطة من القرارات تبدأ بتصميم النظام، وتمر بتدريبه، واختيار بياناته، وتحديد حدود تشغيله، والإشراف عليه، وتنتهي بطريقة استخدامه في الواقع العملي. ومن ثم، لم يعد السؤال يقتصر على: من ارتكب الخطأ؟ بل أصبح: من كان يملك السيطرة على النظام، أو القدرة على توقع الخطر، أو الوسائل الكفيلة بمنعه؟
ويكشف هذا التحول عن انتقال قانون المسؤولية من التركيز على الفعل الضار وحده إلى الاهتمام بمنظومة إدارة المخاطر التي سبقته. فلم يعد معيار العناية يُقاس برد الفعل بعد وقوع الضرر فحسب، بل أصبح يمتد إلى جودة تصميم النظام، وسلامة البيانات، وفاعلية الرقابة البشرية، وكفاية الضوابط التي تحكم تشغيله.
ولا يمثل هذا التحول خروجًا على المبادئ التقليدية للمسؤولية، بل يعد امتدادًا طبيعيًا لها. فالقانون لم يتخلَّ عن قواعده المستقرة، وإنما أعاد توظيفها لمواجهة بيئة تقنية جديدة تتداخل فيها القرارات البشرية مع القدرات التشغيلية للأنظمة الذكية.
إن عصر المسؤولية البشرية لم ينتهِ، لكنه دخل مرحلة جديدة؛ مرحلة لم تعد المسؤولية فيها تُبنى على الفعل البشري المباشر وحده، بل على مدى السيطرة على النظام، والقدرة على توقع مخاطره، واتخاذ التدابير الكفيلة بمنعها. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام المشرعين والقضاء لا يتمثل في البحث عن مسؤول جديد، بل في تطوير قواعد أكثر مرونة وعدالة لتوزيع المسؤولية بين جميع الأطراف المؤثرة في دورة حياة النظام الذكي، بما يعزز الثقة في التقنيات الناشئة، ويحافظ، في الوقت ذاته، على استقرار المعاملات وسيادة القانون.
لقد أصبح السؤال القانوني في عصر الذكاء الاصطناعي لا يدور حول: من ارتكب الخطأ؟ بل حول: من كان يملك القدرة على منعه؟ وبين السؤالين تتشكل ملامح جيل جديد من قواعد المسؤولية القانونية، يحافظ على مبادئ العدالة، ويستوعب التحول التقني دون أن يفقد القانون إنسانيته أو استقراره.
مستشار قانوني











