على حافة الضوء
د. عمار برهان
تنبتُ قضبان الأسوار ناتئة من بين مسام الأرض كما تنبتُ الأشجار الوارفة، لتحيط الحياة بسياجها المحكم من كل جانبٍ، وهو كعادته يعمل النهار كله بجدٍ مثل ترسٍ صدئ في ماكينة عتيقة ليجني في آخر اليوم القليل من المال، لا شيء بلا مقابل وما يحصل عليه حفنة من ترابٍ لا تُقيم أوده ولا تسند حاله المائل ليستقيم في هذه القرية التي يحتويها الفقرُ في أحضانه، يمشي وحيداً على الدروب القريبة مجاوراً ظله الداكن وعقله غائبٌ في متاهاتٍ قاصية على التخوم البعيدة ، كأنَّ جغرافية حياته هي الأخرى قد أضحت إقليماً نائياً على خارطةٍ قديمة ومجهولة، يحتقب الأزمنة البائسة يطوي سجلها المتخم ألماً بيديه بينما تظل أرجله بخطواتها المصلوبة على الطرقات كأرجل تمثالٍ حجريٍ مسلوب الارادة، تنهشه الأفكار بجنون ويظن أن مجرد البقاء على متن هذه الدنيا التي تجيد المراوغة هو انتصارٌ بحد ذاته وتقدير بالغ للإنسانية، يعتقد أن التمسك بأهداب الحياة شديد الصعوبة وأن القدرة على الاستمرار فيها ليومٍ آخر هي معجزة خارقة للعادة في هذا الزمن، فممارسة الحياة حسب رأيه ليست مجرد واجب تقليدي يقع على عاتق الأحياء .
يصحو الخريف في هذه البقاع البعيدة من سباته العميق، يستفيق على قرع الرعود التي لا تنام بعد خيبة أمله في الأيام السالفة، هنا في عالم السافانا ان لم تسقط الأمطار تموت الأرض، لكن الخريف بعنفوانه يصنع الحياة مرةً أخرى، يعمل على حياكة المروج الخضراء بمهارة لترتديها الأرض العارية فتسترُ جسدها الفاتن بحرير الأعشاب وتزينُ جيدها بعقود السنابل ، وعلى بعد آلاف الأميال شمالاً يدفع النهر المياه العكرة عبر مجراه القديم مثلما يدفع القلب الدماء عبر شرايين الجسد، معركةٌ تنشأ بعد طول خصام تحتدم فيها الحياة يخسر النهر صفاءه وتكسب الأرض خصوبتها ، لكن تتغير الأزمنة التي لا تبقى على حالٍ واحدٍ وتُبدل الفصول مواقعها بانتظام، يحل الشتاء الأخير ويسيل برداً قارساً على وجوه الأشياء، الريح تعوي في أذن الوجود ثم تعصف بالقرى الهادئة حاملةً معها ذرات الغبار، حفيف الأشجار واحتكاك الأغصان ببعضها، طقطقة الأبواب الخشبية وارتجاج النوافذ، سقوط وعاءٍ معدني، كلها أظافر حادة تخدش صفاء الهدوء وتُحدث جلبةً من نوعٍ ما، تغزو الذكريات نفسه المجهدة وتمطرها بوابلٍ من سهام المشاهد حادة الحواف، يذكر والده حين كان مريضاً مستلقياً على فراشه العتيق، كانت اللحظات الباقية تنتحب حزناً، يذكر كيف أنه تحامل على نفسه رغم أسقام الجسد وجلس متكئاً على يديه علها تعينه على الثبات وهو في نهايات العمر، تعتصر السنوات ما بقي من حياته:
— كان الله بنا رحيماً يا ولدي حين أهداك الينا ونحن على الكبر، جئت الى الدنيا ونحن في طريقنا الى وداعها، غادرت أمك والان سألحق بها، تمنيت لو أمهلني الوقت ريثما أراك وأنت تكبر أمام ناظري، لأشعر بالفخر حين تفلح في الحياة ..
— لا تقل ذلك يا أبي، أنا لا أحتمل البقاء في دنيا أنت لست حاضراً فيها ، تكفيني خسارة واحدة ..
— ليس الأمر بيدي ولكل أجلٍ كتاب يا بني، بعد الآن ستمضي في طريق الحياة وحدك وعليك أن تعي ما أقول، لا تخف من الزمان كما خفنا منه فكلٌ ميسر لما خُلق له، انظر الى الطيور في جرأتها هل تراها تخشى التحليق؟؟ نحن نجتاز المصاعب بعد قدومها فعلاً وليس قبل ذلك لأننا لو علمناها مُسبقاً ما أقدمنا على فعل شيء اطلاقاً، وان لم تقدر على اتمام الأمر كما أرجو فلن يكون بمقدوري تحمل هذا النوع من الفشل، وداعاً يا بني فالأمر هو …
كلماتُ الوصية التي لم تكتمل لا تزال متقدة تضيئ أقبية حياته بعد تراكم كل هذه السنين فوقها، وهو بات يعلم أكثر من أي وقت مضى أن الليل حتى وان طال بقاؤه سيلقى حتفه حتماً على أعتاب فجرٍ قادم ..
الكون يشهد الآن ميلاد الشمس من رحم الزمن، يومٌ جديد كطفلٍ وليدٍ يحبو، تنعكس أضواؤه من على مرايا السماء مصقولة الأسطح، والأرض على حالها القديم تحلق في فضاء الكون الشاسع بلا أجنحة، ترافق الكواكب في رحلتها الأزلية، وهي لا تزال تدور في محيط الفراغ.











