في الصميم
حسن أحمد حسن
هناك وجع لا يسمعه أحد…
ليس وجع المرض، ولا ألم الفقر، ولا قسوة الشيخوخة.
إنه وجع الأب أو الأم اللذين أفنيا العمر كله في تربيتكم، ثم يجلسان اليوم أمام باب المنزل أو يحملقان في شاشة هاتف صامت، ينتظران مكالمة لا تستغرق دقيقتين.
كم هو مؤلم أن يتحول من كان محور حياتكم إلى شخص ينتظر منكم رسالة: “كيف حالك يا أبي؟ كيف صحتك يا أمي؟”
الحقيقة التي يخفيها كثير من الآباء هي أن الشيخوخة ليست أخطر مراحل العمر بسبب التجاعيد أو ضعف الجسد، وإنما بسبب شعور الإنسان بأنه أصبح خارج حسابات أحب الناس إليه.
لقد عاش الأب سنوات شبابه يعمل من أجلكم، وحرمت الأم نفسها من الراحة لتوفر لكم الراحة، وسهرت الليالي عندما مرضتم، ووقفت إلى جواركم في كل امتحان، وكل أزمة، وكل انكسار.
ثم يأتي يوم يصبح فيه أكبر حلم لهما أن يرن الهاتف…
أو أن تطرقوا الباب دون موعد.
لا أحد يطالب الأبناء بأن يوقفوا حياتهم، أو يتركوا أعمالهم وأسرهم، فلكل إنسان مسؤولياته، لكن بين الانشغال والعقوق مساحة واسعة اسمها الاهتمام.
مكالمة قصيرة…
زيارة خاطفة…
رسالة دافئة…
هذه الأشياء الصغيرة قد تعني لوالديك حياة كاملة.
نعم… الإنسان يجب أن يخطط لمستقبله، ويحافظ على صحته، ويدخر ما يعينه على أيام الكبر، لأن الحياة لا تضمن لأحد شيئًا.
لكن هذا لا يعفي الأبناء من مسؤوليتهم الأخلاقية والإنسانية.
فالوالدان ليسا مشروعًا ينتهي بمجرد أن تكبروا، وليس حبهما دينًا يسقط بالتقادم.
تذكروا دائمًا…
أن الزمن يدور.
واليوم أنتم أبناء، وغدًا ستكونون آباء وأمهات، وسيأتي يوم تنتظرون فيه أن يسمع أحد صوتكم، وأن يطرق أحد بابكم، وأن يسأل عن صحتكم.
فازرعوا اليوم ما تتمنون أن تحصدوه غدًا.
لا تؤجلوا البر…
ولا تؤجلوا الزيارة…
ولا تؤجلوا كلمة: “نحبك يا أبي”… “ربنا يحفظك يا أمي”.
فقد يأتي يوم تبحثون فيه عن رقم هاتفهما…
فتجدونه مغلقًا إلى الأبد.
*وفي الصميم…*
ليس أفقر الناس من قلّ ماله…
بل أفقرهم من امتلك أبًا أو أمًا على قيد الحياة، ثم بخل عليهما بدقائق من وقته، حتى رحلا، وتركاه وحيدًا يطارد الندم الذي لا يعيد الغائبين.













