بطلة جمعت بين التألق الرياضي والإبداع الفني






الأولمبية العالمية كرّمت عطاءها الرائد
كيجاب برر هزيمته أمامها بـ “عضة الكلب”
حققت وصافة العالم في سباق كابري – نابولي
نميري منحها كأسين في مهرجان ود نميري دنقلا
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
تُعد البطلة سارة جاد الله جبارة الفكي إبراهيم واحدة من أبرز الرائدات في تاريخ الرياضة السودانية، بعدما تحدّت شلل الأطفال والإعاقة بالإرادة والعزيمة، لتصبح من أشهر السباحات اللاتي رفعن اسم السودان في المحافل الإقليمية والدولية. ولم تتوقف رحلة التميز عند أحواض السباحة، بل امتدت إلى عالم السينما، حيث أصبحت ثاني امرأة سودانية تدرس هذا المجال وتعمل فيه، وقدمت أعمالًا وثائقية وروائية ورسومًا متحركة تركت بصمتها في المشهد الثقافي. وبين الرياضة والفن، صنعت سارة جاد الله تجربة استثنائية تؤكد أن الإصرار قادر على تحويل المستحيل إلى إنجاز، لتظل سيرتها نموذجًا ملهمًا للأجيال في تجاوز الصعاب وصناعة النجاح.
الميلاد والنشأة
ولدت سارة جاد الله جبارة الفكي إبراهيم بحلة حمد في الخرطوم بحري عام 1951م، وتلقت تعليمها بمدرسة حلة حمد للبنات، ثم الأميرية المتوسطة ببحري، قبل أن تواصل المرحلة الثانوية بمدرستي أبوبكر سرور للبنات بأم درمان وشندي الثانوية للبنات.
التحقت بكلية الفنون الجميلة، لكنها اتجهت لاحقًا إلى دراسة السينما بالمعهد العالي للسينما التابع لأكاديمية الفنون بالقاهرة، وتخرجت عام 1984م من قسم الرسوم المتحركة، لتصبح ثاني امرأة سودانية تدرس السينما وتمارسها مهنياً.
سينما وتلفزيون
عملت سارة جاد الله في تلفزيون السودان عام 1985م، وتولت مسؤولية قسم الرسوم المتحركة، حيث أنجزت عدداً من أفلام الكرتون بالطريقة التقليدية بالرسم اليدوي.
وبعد زواجها من الدكتور بله أبو سنينه، أخصائي الأمراض النفسية، انتقلت إلى المملكة العربية السعودية عام 1989م، قبل أن تعود إلى السودان بعد اثني عشر عامًا، لتؤسس استديو «بليسار للإنتاج الفني».
عملت مصورة ومخرجة ومونتيرة، وأنتجت فيلم الرسوم المتحركة «فاطمة السمحة»، ومدته 15 دقيقة، لكنها توقفت عن هذا النوع من الإنتاج بسبب تكلفته العالية.
كما أخرجت ثلاثة أفلام روائية هي: «عاشق النور» و**«استلاب»** و**«البؤساء»**، وشارك الأخير في مهرجانات بجنوب أفريقيا وزنجبار ونيجيريا، إلى جانب إنتاجها أكثر من عشرين فيلمًا وثائقيًا.
ولا تزال تحمل حلم تقديم فيلم يوثق لدور المرأة السودانية في المجالات السياسية والفنية والرياضية، مع تسليط الضوء على الشخصيات النسائية الرائدة.
تحدي الإعاقة
ولدت سارة وهي تعاني من شلل الأطفال، ولعدم توفر العلاج آنذاك نصح الأطباء أسرتها بأن تمارس السباحة لتقوية عضلاتها.
وكان لوالدها الدور الأكبر في مسيرتها، إذ حرص على تعليمها السباحة منذ أن كانت في الثانية من عمرها، وأشرف على تدريباتها حتى أصبحت إحدى أبرز بطلات السودان.
تدربت على يد المدربين بيومي محمد سالم ومحمد علي الشيخ (كرور)، وكانت تتدرب في نهر النيل وحوض دار الثقافة المجاور للقصر الجمهوري، وزاملت السباحات منى زكي الحاج ودينا ميرغني وبشرى.
وعندما بلغت السادسة من عمرها، أصبحت تجيد السباحة ببراعة، وبدأت المشاركة في بطولات المسافات القصيرة.
الكوكب والهلال
انضمت سارة إلى نادي الكوكب ببحري، ثم انتقلت عام 1972م إلى نادي الهلال، لتبدأ مرحلة جديدة في سباقات المسافات الطويلة، التي صنعت فيها اسمها الكبير.
وكان من أبرز إنجازاتها احتلال المركز الثالث في سباق جبل أولياء – أم درمان (50 كيلومترًا)، أحد أشهر سباقات السباحة في السودان، خلف كيجاب وسليم فضل.
كما أحرزت المركز الرابع في سباق الحديبية – عطبرة (30 كيلومترًا)، وتفوقت يومها على السباح كيجاب، الذي علق مازحًا بأن سبب هزيمته هو أن “كلبًا عضّه”.
وفي سباق مدني – أم سنط، أحرزت المركز الثاني بعد منافسة مثيرة مع كيجاب، حتى إن صحيفة الأيام عنونت صفحتها الرياضية في اليوم التالي: «كادت سارة أن تبتلع كيجاب».
أما في سباق ود نميري – دنقلا، الذي أقيم احتفالًا بعيد الاستقلال، فقد جاءت ثانية خلف كيجاب، ومنحها الرئيس الراحل جعفر محمد نميري كأسين؛ أحدهما للمركز الثاني في الترتيب العام، والآخر للمركز الأول بين السيدات، بقرار رئاسي.
ومثلت السودان في عدة مشاركات خارجية، منها بطولة الناشئين في نيروبي عام 1968م، كما شاركت عام 1975م في سباق بكين، وأحرزت الميدالية الذهبية في سباق التتابع، إلى جانب آمال الشريف ومها منديل ونوال أحمد المصطفى.
وفي العام نفسه، شاركت في سباق كابري – نابولي بإيطاليا لمسافة 35 كيلومترًا، وأحرزت المركز الثاني عالميًا على مستوى الهواة.
وبرعت كذلك في سباحة الدولفين (الفراشة)، التي تتطلب قوة بدنية ومرونة عالية، وسجلت أرقامًا قياسية في سباقات 50 متر فراشة، و100 متر حرة، و100 متر ظهر، و200 متر ظهر.
نساء رائدات
تقديرًا لمسيرتها الرائدة، كرمتها اللجنة الأولمبية العالمية عام 2008م، ومنحتها شهادة «نساء رائدات»، وفاءً وعرفانًا بما قدمته للرياضة السودانية.
كما تجيد سارة رياضة الباليه، وتحلم بإنشاء معهد أو كلية متخصصة في السينما، لسد النقص في هذا المجال داخل السودان.
عائلة إعلامية
تزوجت من الدكتور بله أبو سنينه، ورُزقت بأشرف، الذي يعمل بالإذاعة الرياضية (FM)، وسامي، المصور بقناة النيل الأزرق، وخالد، المونتير بالقناة نفسها، وسمهر، خريجة جامعة النيلين في تخصص اللغة الإنجليزية.
ولها من الأشقاء: محمد، وصلاح، ونجاة، ونادية، ونور، وجيهان، ومي، التي شاركت معها في عدد من سباقات السباحة.
إرث خالد
مثلت سارة جاد الله نموذجًا نادرًا للإصرار والإرادة وتحدي الإعاقة، فنجحت في الجمع بين التفوق الرياضي والإبداع الفني، وكتبت اسمها بأحرف من ذهب في تاريخ السباحة السودانية والسينما معًا. وستظل سيرتها مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن النجاح لا تحدده الظروف، بل تصنعه العزيمة والإيمان بالقدرة على تجاوز المستحيل.
هذه الإضاءات استندت إلى معلومات وثقتها البطلة سارة جاد الله بنفسها، وقد خصّت بها كاتب هذه السطور عام 2010م، فلها منا خالص الشكر والتقدير، مع صادق الدعوات لها بموفور الصحة وطول العمر.













