- تباشير
- وليد محجوب
- ترافق الأماني رحلة اثني عشر عاماً من التعليم المدرسي حتى تُتَوَّج بدخول الكلية المُشتهاة، لترافق أماني جديدة رحلة السنوات الأربع، وربما الخمس سنوات لمن رام مرتبة الشرف، ورحلة الست سنوات لمن أراد بلوغ ذُرى المَرام في كلية الطب: “ما الدكاترة ولادة الهنا”. ثم تصطدم الأماني بواقع يجعلها ترتدُ مثل صدى صرخة تائه في وادي جبلي. فالطبيب اليوم لا يكاد يجد فرصة عمل لائقة، والمهندس يزاحم على وظيفة براتب متواضع، خاصة بعد فترة الكمون لخمس سنوات بعد التخرج والتي فُرِضت عليهم مؤخراً، والمحامي يقف حائراً أمام أبواب المذكرات الإلكترونية.
- إن مشهد الخريجين الجدد، حاملي الشهادات العتيدة، وهم يطرقون أبواباً مؤصدة أو يركضون خلف ما يقيهم شر لقب “عاطل”، لم يعد استثناءً بل قاعدة مؤلمة. لقد تغير العالم، لكن منظومتنا التعليمية وثقافة المجتمع ظلت أسيرة فكرة أن كُلِيَتي الطب والهندسة تُلبِس الوالدين تاج الزهو. لكن هذا التاج يتحول بعد سنوات، إلى إكليل من الشوك على رؤوس الأبناء حين يصطدمون بسوق العمل.
- نتيجةً لهذا النمط من التفكير القائم على قصر نظرنا، فقد خَفِىَ عنا سؤالاً جوهرياً: ماذا يريد سوق العمل اليوم، لا الأمس؟
- بما أننا نعيش على أعتاب عصر الذكاء الاصطناعي، حيث الآلات تَتَعلَّم، والبرمجيات تُحلل، والخوارزميات تُدير المصانع والمستشفيات ومكاتب المحاماة. لم تعد الوظائف التقليدية آمنة في عصرنا هذا. وما كان مناسباً في أيام الوالدين ما عاد مناسباً لعصر الـ AI. فالحقل الطبي سيشهد ثورة في التشخيص بمساعدة الذكاء الاصطناعي، والمحاماة ستُحال إلى أنظمة قانونية ذكية، وحتى التعليم سيخضع لمنصات شخصية أكثر مرونة من المدارس القائمة على التربح وليس التربية والتعليم كما يجب. إذاً المطلوب في سوق العمل في مُقبِل الأيام هو الإنسان القادر على التفكير النقدي، والإبداع، والمرونة، وتوظيف الأدوات الرقمية في إدارة الأزمات والقدرة على العمل الجماعي.
- والسؤال المهم هنا هو: أين يجب علينا الاتجاه؟ لنصل إلى الإجابة الصحيحة، نحتاج إلى تغيير جذري في طريقة التفكير حول المستقبل. لم يعد النجاح محصوراً في قائمة الكليات المرموقة، بل في المهارات القابلة للتجديد، مثل: البرمجة، تحليل البيانات، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي التطبيقي، والهندسة العكسية للأنظمة. بل حتى التخصصات الإنسانية يمكن إعادة تأهيلها برقمنة محتوياتها. فالفيلسوف اليوم قادر على تصميم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والمؤرخ يستطيع تحليل بيانات ضخمة للتنبؤ بالأزمات، واللُّغَوي يصبح خبيراً في معالجة تحليل اللُّغات المختلفة، الشيء الذي يعزز من تقوية النسيج المجتمعي. وهذا يُظهر أن التحول ليس إلغاءً للعلوم الإنسانية، بل تطويراً لها.
- لقد حان الوقت لإعادة تعريف “الكلية المُشتهاة”، وأن نغرس في أبنائنا أن رحلة التعليم لا تنتهي عند التَخَرُّج، وأن الطريق إلى القمة في قادم الأيام ليس بالضرورة ذات الطريق الذي سلكه أحد الوالدين أو كلاهما من قبل، بل ربما يكون دورةً في تحليل البيانات أو شهادة في تطوير الأنظمة الذكية. فالمستقبل لمن يفكر خارج الصندوق، لا من يقف على أطلاله.











