أحمد حسن حيمورة
انتهينا من (موضوع) كاس العالم بسهراته، و (شتارة) مواعيد مبارياته، و صلفه الترامبى، و ما اعتراه من شكوك طالت التحكيم بمكائه القديم وتقنية فاره الحديثة. و القدح فى نزاهة انفنتينو الاصلع و تلك الكرة المرقمنة.
انتصر الأسبان على الأسبان،فكلا المنتخبين من أمة واحدة تنتمى لجذور واحدة و تتحدث لغة واحدة و تتكئ على إرث تاريخى استعمارى بغيض، و إقصاء عرقى عنيف…
فى هذا المونديال، لعبت الارجنتين بفريق ناصع البياض، تنحدر اصول غالبية لاعبيه من أسبانيا أو من خليط أسباني إيطالي. فأقصت كل من الجزائر والنمسا والأردن، و تفوقت على الرأس الأخضر ومصر وفازت على كل الفرق الاوروبية المطعّمة بالعرق الأسود بدءاً من النمسا و مروراً بسويسرا و انتهاءاً بإنجلترا في أدوار خروج المغلوب، لتضرب بالتالي موعدًا مع بنى جلدتها الأسبان في اللقاء الختامي للبطولة.
و بدورهم الأسبان بفريقهم المهجن باثنين فقط من أصول غير اسبانية هم لامين يامال و نيكو ويليامز، لم يُقَصّروا فى إقصاء أحفاد بقايا الممالك الاسلامية قبل أن يجهزوا على الاورغواى و يتعادلوا مع الرأس الأخضر التى هى إحدى محطاتهم المستخدمة عبر التاريخ لتشوين الرقيق الأفريقى قبل إرساله مُسَخّراً الى مستعمراتهم .و كما انتصروا على البرتغال منافستهم فى استجلاب أولئك العبيد؛ (كشوا) معهم بلجيكا و معها فرنسا بفريقها داكن السواد.
و كمفارقة طريفة، يبرز السؤال؛ هل كان مدرب المنتخب المصرى حسام حسن محقاً حين عكف ذراعية مشكلاً لحرف ال (X) الشهير فى مباراتهم مع الارجنتين؟. الله اعلم. فالرجل ساقه حنقه و قلة حيلته اللغوية لعكف معصميه و البرطمة بعبارة:( نوت فير، نوت فير).لكنه بقصد أو بدون قصد لم يجانب الحق و الصواب.
ونحن تضامناً مع جارتنا اللدودة، لن نغالى إن قلنا إن المنتخبين الاسبانى و الارجنتينى قبل تخصصهما فى الإقصاء الكروى، لهما نسب فى الإقصاء العرقى عريق، و لأمتيهما نسب فى العنصرية أعرق. فالأولى بعد خوضها حروب الاسترداد و التحرر من قبضة الممالك الاسلامية و طردها للمسلمين تفرغت لتكوين أكبر الامبراطوريات الإستعمارية فى ارجاء المعمورة، و من ضمنها أمريكا الجنوبية، حيث قضت على السكان الأصليين، و أحلت محلهم الشعوب الاسبانية ثم استجلبت الرقيق من سواحل أفريقيا و سخرتهم للعمل فى تلك المستعمرات حتى فاق تعدادهم نسبة الثلاثين فى المائة من السكان فى منطقة الأرجنتين وحدها، و حين آن أوان التخلص منهم بعد ان استفندوا اغراضهم؛ أتى دور الأمة الاسبانية الارجنتينية النامية لتركب قطار حضارتها و تقدمها و تدهس به فى طريقها كل من هو مغمور بالسواد و كل من هو غير أبيض، مستخدمة الحروب تارة، و الأوبئة تارة أخرى، و معهما التهجير القسرى، حتى تقلصت نسبتهم فى نهاية القرن التاسع عشر لأقل من اثنين فى المئة، و خلت منهم أرجاء الارجنتين، وبعدها؛ فتحوا الابواب و الصدور لاوروبا البيضاء بالمانييها و إيطالييها.
بالطبع لم تعجبنا الارجنتين من قبل، و استهجنا سلوك مشجعيها حين بانت حقيقة دواخلهم فأسفرت عن عنصرية بغيضة تجاه ( لاعبى) المنتخب الفرنسى فى 2018، و لم تعجبنا النسخة الارجنتينية الحالية حين لعبت. لكن ميسى أجبرنا على التصفيق له كما أجبرنا ماردونا و كل حريف راوغ، و حاور، و طوّع هذه المستديرة من قبل.و تحمسنا للفتى الامين جمال (ود البرغوث) و هو يتجاهل ترامب و ينعم بحضن الملك الاسبانى.
فنحن أمم متسامحة و طيبة ، بالمعنى المصرى للطيبة و المسامحة، نتوشح أعلام الجلادين و نوهم أنفسنا بأن تلك أيام خلت و أن الامر لا يعدو أن يكون لعبة. وأى لعبة ؟…
لعبة يحكمها المال و تبلغ مداخيلها ترليونات الدولارات .
لست ناقماً و لا حاسداً. بل أننى استمتعت بالمونديال و سأفتقده. غير أنى وددت لو تابعت هذه المنافسات من بلدى، و تمنيت أن يكون لى فريق، أو حكم، أو مراقب، يشارك فى هذه التظاهرة، و لكن ضعف المُتمنِّى وبَعُدَ المُتمنَّى، فكان اشبه المنتمين الى عرقى ممن شاركوا فيها منسوباً قهراً و (لصقاً)الى أسوان النوبية التى لم يرها. لكنى مع ذلك أتفاصح كدأب كل مشجع سودانى و أقول : إن النهائى كان من جهة الغالب و المغلوب، أسبانياً صرفاً يا… (سادة).













