تباشير
د. وليد محجوب
رأيته من بعيد، يمشي وحيداً في شارع الوادي بأمدرمان. يجر قدميه في الطريق الخالي من المارة والعربات في تلك الساعة المتأخرة من الليل. كان يمشي مثل بعيرٍ وُضِعَ على ظهره حِمْلٌ ثقيل، ومُحكم الربط، فلم يَعُد يستطيع التخلص منه. كأنه يحمل عِبْأهُ ويسير به في صحراء بلا واحات. تحاول خطواته الثقيلة أن تعتدل بمِشيَتِه لكن وهن قوته خذله. من يراه يُخيَّلُ إليه أن خمراً بلديةً رديئةً قد لعبت برأسه. فقد تجاوز الوقت منتصف الليل بساعةٍ أدخلتنا في فجر اليوم التالي.
أوقفت عربتي بجانبه، وفتحت زجاج النافذة. كأن ليلة القدر زارته بغتةً فلم يدرِ ماذا يطلب منها. فتح الباب وألقى بثقله على المقعد الأمامي. فقط ألقى عليَّ سلاماً مقتضباً ثم صمت. لم يكن مخموراً كما يشي حاله. فقط كان منهكاً حدَّ الاستنزاف. لفحه هواء مكيف العربة فاسترخى كمن وجد نفسه فجأةً في غرفة فندق ذو خمس نجوم بعد سفر مُرهِق. لم أزِد رهقه بالأسئلة. تركته يرتاح من وعثاء الحياة، وقدت العربة في الطريق الخالي.
التفت ناحيتي بعد عدة دقائق، وشكرني بعباراتٍ كثيرة. سألته عن وجهته، فأجابني: “ما تشغل بالك، بنزل منك في أقرب مكان ممكن ألقى فيه مواصلات”. أي مواصلات وقد توقفت عربات النقل قبل منتصف الليل بساعة على الأقل. حتى عربات نقل الركاب أصابها التعب هذه الأيام. عندما وجد في حديثي إصرار على معرفة وجهته، قال لي إنه ذاهب إلى البيت. “خلاص دي آخر حصة وخلصتها”. ثم عرفني بنفسه. اسمي محمود، مدرس رياضيات وأسكن الحارة الأولى.
ما الذي يجعل معلم يسير بعد منتصف الليل وحيداً غير الحاجة الشديدة لسد رمق صغاره، وشراء الأدوية الضرورية. فالمرتب مثل “حلاوة قطن”، لا يكاد يستلمه حتى يذوب في سداد ديون سيد الدكان والخضرجي، إن غشيته البركة. فليس أمامه سوى السعي من بيت لآخر، يبحث عن رزقه في حصةٍ هنا وأخرى هناك. لا يروم ثراءً ولا مباني فاخرة وعربات فارهة. فقط ما يستر الحال ويغني عن السؤال.
عندما رأى الأسي على حاله يكسو وجهي، قال لي هذه الأيام هي موسم الدروس. فقد أظلتنا أيام امتحانات الشهادة السودانية، ذلك البُعبع الذي ما إن يقترب موعده حتى تُعلن حالة الطوارئ في بيوت الطلاب الممتحنين. ويشتدُّ خلال هذه الأيام الطلب على الدروس الخصوصية بشكل أكبر من تلك الراتبة طوال العام الدراسي.
غابت المدارس الحكومية عمداً عن مشهد التعليم العام، وتفرق معلموها في المدارس الخاصة النابتة مثل ورد النيل. جميلة المنظر، لكنها مُرهِقة المخبر. فانتقلت معها مساغب المعلم من بيروقراطية الحكومة إلى تجني التجار على التعليم. ونبتت مع المدارس الخاصة، الحاجة للدروس الخاصة. تلك التي لم تعرفها مدراس الحكومة من قبل. فقد كانت ساعات المذاكرة الإجبارية تجبر كسور الدروس الصعبة، وترفي حاجة الطلاب الأقل تحصيلاً من خلال تبادلهم الحديث في الطريق. هكذا يتعلم الطلاب من بعضهم البعض، وهذه إحدى أنجع الطرق الحديثة في التعليم. كما أن وجود المعلمين المشرفين يتيح لكل من استعصى عليه شيء طرح سؤاله على أستاذ المادة، فيجد الجواب الشافي دون الحاجة للتلميح لدرس خاص.
وحدَه يمشي أستاذ محمود وحيداً مُتعباً، وصمت الشارع يسمع أنين كل معلم ينفق عمره ليضيء مستقبل أبناء لا يملكون الحلم بمدرسة حكومية يتمتعون فيها بالتعليم والأنشطة المختلفة معاً، لا بالتركيز على الكتاب وحده. فهل تعود لمدرسة الحكومة سيرتها الأولى أم يخرج علينا أباذر شاهراً سيفه؟.












