على حافة الضوء
د. عمار برهان
معالم الطريق
** أسمعني يا أخي بخصوص الموضوع الكنتا عاوز..
** قلت ليك ما بسمع، والموضوع دا ما تجيب لي سيرتو تاني..
كانا يجلسان على مقعدين متجاورين، داخل حافلة ركاب متهالكة متجهة إلى ضاحية (الكلاكلة) بالخرطوم، يوم قائظ وملتهب الحرارة في هذا الوقت من العام، والضيق يتمدد في الأرجاء كسحابة من الدخان، ويفرض نفسه على كل شيء. ظل ساهماً وهو ينظر عبر زجاج النافذة الملطخ بالكثير من البقع الداكنة، متأملاً واجهات المحال التجارية المطلة على الطريق، متجاهلاً ما يصل إليه من كلام ذلك الراكب المعتوه الذي يؤمن بقيم لا وجود لها أصلاً، بمنطق يفترض حسن النية وال..
طرح كل ذلك بمعية أشياء كثيرة عن عقله المنهك، وراح يقرأ (لوحات) المحال التجارية الناتئة والتي تشكل جزءاً من معالم الطريق: ملحمة البتيلو.. المخبز الألماني الحديث.. كلوا من طيبات ما رزقناكم.. إيجار الصيوانات والكراسي.. أبو وليد للعماري الشاذ..
تأرجحت الحافلة فوق حفرة عميقة، فاصطدم كتفه بكتف صاحبه، فالتفت إليه لحظة، ثم أعاد بصره إلى الخارج، كان الطريق يبتلع المسافة، غير أن الموضوع المرفوض ظل جالساً بينهما كراكب ثالث لا ينزل عند أي محطةٍ أبداً ويصر على مرافقتهما حتى نهاية الطريق، فظل على حاله تلك، والضيق لا يزال يفرض نفسه على كل شيء.
الضفة الأخرى
وبينما تتجمع سحب الهموم لتحاصره من كل جانب وهو غارق في محيط تأملاته اللانهائي، فاجأه صديقه بسؤال تصعب الإجابة عليه جداً:
** كنتا عاوز أسألك عن موضوع كدا بدون حرج يعني: اللون الأزرق!! حاولت اتخيلو لكن ما قدرتا، ممكن تشرحو لي؟
** الأزرق؟!! ودا يشرحوهو ليك كيف هسا؟!!.. غايتو بحاول.. تعرف لما السما تكون صافية وما فيها سحاب ولا غبار، بكون لونا أزرق فاتح، والبحر العريض لما يكون هادي وما فيهو موج، بكون لونو أزرق.
** طيب واللون الأصفر؟
** طالما أكلتا برتكان قبل كدا، وأكيد بتتذكر طعمو، لون قشرو تقريباً بكون درجة من درجات الأصفر، لكن..
مد صديقه يده نحو النافذة، كأنه يتحسس لوناً هارباً في الهواء، ثم سحبها ببطء، ظلت ابتسامته معلقة، وبدا السؤال أكبر من أي إجابة وأعمق من صورة يصنعها الكلام في الخيال الممتد خلف حدود الحواس، وبقي الهواء بينهما مشحوناً بحيرة لا ترى.
صمت عن الكلام وراح يحدث نفسه بلا صوت:
آه يا صديقي، لا أعرف كيف أواسيك، ويقيني القاطع أنك لم تفهم شيئاً مما قلته لك على الإطلاق، شدة حسرتي تدور حول عجزي التام وعدم قدرتي على تقديم المساعدة في هذا الأمر، لأنك يا صديقي منذ أن ولدت ونشأت وأنت أعمى، لم تبصر شيئاً بعينيك قط، ولم تعرف الفروق بين الألوان.. وهذه الدنيا التي تقوم على فلسفتي الضياء والإظلام لم تختبر منها غير حالة واحدة مصلوبة على صفحة خيالك.. ربما تكون قد ذقت طعم البرتقال بالفعل يا صديقي، لكنك أبداً لن تعرف ماهية لونه.. ربما سمعت أوصافاً عديدة للسماء والبحر، لكنك لن تشعر بمعاني اللون الأزرق مهما حاولت، فكل الأشياء يمكن وصفها بالكلمات عدا الألوان، ورغم ذلك يا صديقي يتمنى البعض لو أنهم كانوا مثلك، يرونك أفضل منهم بحالك هذا أو هكذا يعتقدون، لأنك تسمع أصوات الأشياء ولست مضطراً لرؤيتها حتى لا تصطدم بقبحها وبشاعة منظرها في الواقع، تقترب من الحقائق العارية ولا تمسها بأنظارك لتدرك كم هي مؤلمة جداً، لا أحد يملي عليك النظر إلى مشهد لا ترغب في رؤيته، تنصت للحكايا وتبني معالمها في باطن عقلك وروحك بإرادتك المحضة، كيفما تهوى أو تشاء.. تتخيل الدنيا كلها وفق ما تريد، وتمتطي صهوة العمر ببراءة منقطعة المثيل..
لكن يجب أن تعلم يا صديقي أن العمر قارب خشبي يتنقل بين ضفتين، وعندما تبلى أخشابه وتهترئ سينقلك للمرة الأخيرة من هذه الضفة إلى الضفة الأخرى، نعم.. سترتحل عبره بكل بساطة من ساحل الحياة إلى ساحل الموت، وهو في حالتك الراهنة هذه لن يحدث فارقاً كبيراً يذكر بالنسبة إليك، سيمضي بك لا محالة من الظلام إلى الظلام، حين يجيء ذلك الوقت المحتوم.













